رفع الدعم.. المجاعة قادمة!

حسين خليفة:

نعم..

احذروا أيها السوريون الباقون على قيد الوطن!

المجاعة الحقيقية، المجاعة التي تُنذر بعودة مآسي السفر برلك على الباب، بعد قرار تحويل الدعم إلى مبلغ مادي يُحوّل إلى حساب المواطن المنتوف الذي استُنزفت قواه كلها خلال سنوات الحرب العجاف، ثم السنوات التي تلتها وهي سنوات (الانتصار)! لكن على من؟ على المواطن الذي بقي متمسكاً ببلده، وبقي لديه بصيص أمل بأن هناك من يفكر به وبالبلد وبإعادة الإعمار وترميم المدن والقرى والأرواح.

منذ الانتهاء الجزئي للحرب عبر تكريس تقسيم البلد إلى مناطق نفوذ لقوى الأمر الواقع التابعة بطبيعة الحال لقوى إقليمية أو دولية، واحتلال مباشر لأجزاء منه، توسّم الناس الذين جاءت قسمتهم في المناطق التي تسيطر عليها الدولة خيراً، وبؤوا يُعدّون العدّة لبدء حياة طبيعية والعودة إلى منازلهم بعد ترميمها، وإلى أعمالهم بعد أن يبدأ الاقتصاد بالتعافي.

لكن ما حصل أن قوى النهب وضواري الرأسمال الجديد الذين أثروا من الحرب وبها، أمعنوا في عصر المواطن وتشليحه بكل معنى الكلمة، وابتدعوا ما سمي بالبطاقة الذكية ليوزعوا عبرها المواد المدعومة من رز وسكر وزيت وشاي وخبز ومازوت وغيرها من الحاجات الأساسية، بسعر قيل إنه مدعوم، وهو في الحقيقة يقترب كثيراً من الحر، وكان أن نَبَتَ إلى جانب السعرين، المدعوم والحر النظامي، سوقٌ أخرى تقف وراءها بالنهاية تلك الطبقة المتوحشة التي لا تشبه الرأسمالية المعروفة التي تستغل جهد العامل لزيادة ثرواتها، لكنها تعطيه ما يؤمّن كفاف يومه من غذاء ولباس ومسكن وتعليم، إنها رأسمالية متوحشة تمتص الإنسان حتى آخر قطرة، تشغله هو وأطفاله وزوجته في نبش القمامة وجمع  بقايا الحديد والألمنيوم لصالح احتكاراتها القميئة، تسحب كل خير البلد ولا تترك للناس ما يقيم أودهم، دون أي رادع من أخلاق أو قيم أو حتى حرص على استمرار دورة الإنتاج إن كان هناك إنتاج، إنها رأسمالية لا وطنية تحتقر العمل المنتج وتقدس جمع المال على طريقة المافيا، بل هي المافيا بعينها.. نبتت سوق سوداء تعرض المحروقات المفقودة من مازوت وبنزين وغاز بأسعار خيالية يضطر الناس إلى شرائها، وهذه السوق محتكرة من قبل أثرياء الحرب وعدد محدود من المتنفذين الذين لا يتجرأ أحد أن يتلفّظ مجرد تلفّظ بأسمائهم.

آخر (فصول) هذه الطبقة هي استصدار قرار من الحكومة برفع الدعم عن المواد الأساسية، وهو قد صار بطبيعة الحال شكلياً وبأقلِّ حالاته، وتحويله إلى مبلغ مالي ثابت يُحوّل إلى حساب المواطن صاحب البطاقة مقابل تحرير كامل للأسعار.

ومعروفة طريقة السلطة في تقديم هذه الحلول عند رفع الأسعار، ثم الانسحاب خلال فترة محدودة، فقد جرى خلال تجربة البطاقة الذكية مثلاً إخراج معظم المواد التي أدرجت بالسعر المدعوم (زيت، سكر، شاي، رز…) من الدعم، والإبقاء على الخبز فقط.

أما المازوت فكان يوزع إعلامياً ولا يراه معظم المواطنين، وحتى من يظفر به فهو بكميات لا تكفي شهراً واحداً من شهور الشتاء (خمسون لتراً لكل عام).

والغاز تطول فترة وصول الرسالة حتى أصبح المواطن لا يظفر بأسطوانة غاز قبل مرور مئة يوم على استلامها. الأمر الذي أنعش السوق السوداء المملوكة للسلاطين ورفع أسعارها حتى صارت فوق طاقة المواطن، وجعل المادة الوحيدة المشمولة فعلياً بدعم البطاقة الذكية هي الخبز.

إذاً جوهر هذا القرار الآن هو رفع الدعم كاملاً عن الخبز، بعد أن جرى رفعه مسبقاً عن بقية المواد وإسكات الناس الصامتين أصلاً خوفاً بمبلغ لن يكون في جميع الأحوال كافياً لتعويض الزيادة التي ستحصل في سعر الخبز وحده.

وسرعان ما سيتلاشى مبلغ الدعم بفعل التضخم الذي سيقفز قفزات سريعة حتماً بعد انفلات وحوش السوق، إضافة إلى ما اعتدنا عليه من ممارسات الحكومة بسحب المبلغ شيئاً فشيئاً، وقطعه أحياناً بحجج وذرائع يتقنونها جيداً، ثم إعادته على قول المثل القديم: إذا أراد الله إسعاد الفقير يضيّع بقرته ثم يعيدها إليه.

لكن حكوماتنا لا تُعيد البقرة بل تُعيد أشلاءها ويفرح صاحبها، لأن عودة بعض أشلائها ليطبخها ويذوق اللحم مرة في حياته أفضل من أن لا يعود شيء من بقرته.

ولن تمضي شهور حتى يصبح مبلغ الدعم على ندرته وتفاهته ذكرى من ذكريات الناس مع سياسة هذه السلطة.

لكن مهلاً!

هذه المرة لن تكون ككل المرات، هذه المرة الخبز هو موضوع هجوم أثرياء الحرب واللصوص المحترفين، وحين لا يجد المواطن خبز أولاده ستكون آخر ساعة له مع الخوف المستوطن فيه.

إننا مقبلون على مجاعة، والمجاعة ستخلق الفوضى، والفوضى ستُطيح بالجميع، ويبدو أن حيتاننا وضباعنا لا يعرفون قراءة التاريخ.

الخلاصة أن الناس الذين تجدونهم الآن خائفين صامتين كاظمين الغيظ لن يبقوا كذلك مع فقدان الخبز والحاجات الأساسية لأولادهم، وهم يعرفون ناهبيهم جيداً، ولا حاجة أن يدلّهم أحد عليهم.

أيتها الضباع التي لا تشبع من لحمنا، سيكون هذا القرار خاتمة عبثكم ونهشكم بجسد البلد والناس.

لست هنا أنصح، فهؤلاء لا يستحقون النصيحة ولا يقبلونها، لكني أُحذّر من الكارثة القادمة إن جوّعتم الناس حقيقة وليس مجازاً.

 

العدد 1112 - 26/6/2024