غربة هنا.. غربة هناك!

رنيم سفر:

(غادرنا سورية في ٢٠ حزيران ٢٠١٤، وعرفنا بعدين إنو هاليوم بيصادف (بالصدفة) يوم اللاجئ العالمي، عشر سنين برّات سورية، وما في أي أمل بالعودة على ما يبدو..)_ هذه الكلمات خطّها أحد الاشخاص على صفحته في الفيسبوك بيوم اللاجئ العالمي.

يبدو أن أحدهم في الخارج يحنّ لتراب الوطن بينما يشتهي غيره شمة الهواء خارج وطنه، مرّت السنين كطرفة عين أخذت معها أمل المغتربين بالعودة ورؤية أهلهم، وأمل الباقين بعيش حياةٍ إنسانيةٍ.

نحن شعبٌ توالت على رأسه المصائب والأزمات، فلجأ كُثر إلى الهجرة فطواهم البحر بذراعيه ربما رحمة بهم فكان نصيبهم من الدنيا الحلم فقط دون تحقيقه، أما من نجا ووصل بسلامة، فوسم باللاجئ السوريّ، فتكبّرت عليه واستغلّته أغلب الدول، ولن ننسى أن عدداً غير قليل من اللاجئين ما زال يعيش منذ سنوات في خيام ومخيمات، فكانت معاناتهم أشد من وَقع الرصاص، ولكن هل انتهى زمن الهجرة بانتهاء الحرب وسني شبابنا معها؟

اليوم، وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين، نلاحظ ازدياد أعداد المهاجرين  حالياً بعد انتهاء الحرب شكلياً، نظراً لاستمرار تداعياتها التي ما زالت تنهش بأرواحنا المتبقية، فهي السبب الرئيسي وراء هروب ملايين السوريين من سورية، وكذلك السبب الكامن وراء عدم عودة اللاجئين للوطن بل وتوليد مزيدٍ من اللاجئين، للأسف إن سورية الحالية لا تشبه سورية التي تركها المهاجرون إطلاقاً حتى إنهم إذا عادوا فلن يألفوها، فقد حوّلتها السنون وصمّ المعنيين والخطط الفاشلة إلى مدينة محطمة لأحلام الشباب بالمرتبة الأولى، فتراها لا تشبه روحها القديمة، باتت مدينة مظلمة بلا كهرباء، أضحت مدينة لا تنصف مواطنيها بقوت يومهم حتى، ففتات الراتب يختفي قبل أن يدفئ جيب المواطن، هذا  في حال وُجدت فرصة عمل، فكثيرون لم يجدوا فرصتهم بعدُ، مقارنة بارتفاع الأسعار الجنوني، فوفق دراسة نُشرت مؤخراً يحتاج الشابإلى أن يعمل ٥٠٠ سنة لشراء منزل، ولن نغفل ذلك الأب المستعد للتضحية  بحياته واللجوء للهجرة بأي شكل كان لإنقاذ مستقبل صغاره قبل أن ينتهي بهم المطاف بعمالة  الأطفال  نظراً لانتشارها هذه الأيام، فضلاً عن السرقات والجرائم المتزايدة  من أجل البقاء. والواقع أننا أجساد سوريين نُزعت الروح منهم، إضافة إلى الأزمات والحصارات الدائمة، كلها أمور كفيلة بدفعنا للتفكير بالسفر والهروب بأيّ وسيلة ممكنة، ولكن حتى السفر بات حلماً محرّماً، فهو بحاجة إلى تكاليف باهظة وهو السبب وراء بقاء القلة لقلة حيلتها.

لذا، أن تكون مشتاقاً لتراب وطنك خيرٌ من أن تكون غريباً داخل وطنك، فغربة الوطن أصعب ألف مرة من غربة الهجرة، فهل سنبقى غرباء محطمين بين أهلنا وداخل وطننا ندعو الله أن تتحسن الأحوال؟!

دمتم ودمنا سالمين!

العدد 1112 - 26/6/2024