لاجئون بلا أفق

حسين خليفة:

اللاجئ وفق التعريف المعتمد من معاهدة اللاجئين المبرمة عام 1951 والمعتمد من المنظمات الدولية هو (من خرج بسبب مخاوف حقيقية من اضطهاد بسبب عرقه ودينه وجنسيته وانتمائه إلى طائفة اجتماعية معينة أو ذات رأي سياسي، ووُجد خارج البلد الذي يحمل جنسيته، ويكون غير قادر أو بسبب هذه المخاوف غير راغب في الاعتماد على حماية دولته أو العودة لبلده بسبب المخاوف السابقة)، وهو التعريف الذي تعتمده المنظمات الدولية.

وتاريخ البشرية حافل بظاهرة اللجوء ومحاولة قوننته والتعامل معه بعيداً عن الظرفية والمزاج منذ الحضارات القديمة حتى يومنا هذا، فمصطلح (Asylos) في الحضارة اليونانية يشير إلى مكان اللجوء الذي يقع خارج سيطرة الدولة، بل يقع تحت حكم الآلهة ويأوي الهاربين من الاضطهاد والظلم لائذين بالآلهة، وهو يعادل فكرة اللجوء المعاصرة، وفي العهد الإسلامي وما قبله كان هناك مصطلح (الجوار) الذي يعني ان تحمي القبيلة/ الدولة الشخص الهارب من الظلم حتى لو استدعى الامر إشعال حرب من أجله.

وقد اشتد الاهتمام بظاهرة اللجوء وتنظيمها في العصر الحديث عند الأحداث الكبرى مثل الحربين العالميتين، الحروب الأهلية، الكوارث الطبيعية الكبرى، وغيرها.

إنّ استقبال اللاجئ من قبل الدول المضيفة ليس صدقة ولا حسنة، بل هو تطبيق للقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان، إذ ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 14 منه على ما يلي: لكل شخص الحق في طلب اللجوء والتمتع به في بلد/ بلدان أخرى حتى لا يتعرض للاضطهاد في وطنه الأم.

وهذه الحقوق جاءت نتيجة سعي وجهود كبيرة وطويلة الأمد بذلتها المنظمات الدولية والأمم المتحدة ومحاولات جاهدة من خلال دفع جميع الدول الأعضاء في المنظمة للتوقيع على التشريعات الخاصة في هذا المجال، فقد أُنشِئت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR في عام 1950، بُعيد الحرب العالمية الثانية، وذلك لمساعدة الملايين من الأوربيين الذين فروا من ديارهم أو فقدوا منازلهم. كأكبر منظمة إنسانية في العالم، واهتمت بتنسيق المساعدات الدولية للاجئين، وتأمين حق الحماية لهم، وتصدير خطابات الحماية لمنع الترحيل ودمجهم في المجتمعات المضيفة أو دعم عودتهم الاختيارية إلى أوطانهم.

تكللت جهود المفوضية بتوقيع اتفاقية جنيف عام 1951 كأول اتفاقية دولية شاملة تناولت النواحي الجوهرية المتعلقة بحياة اللاجئ، وتعريفاته وحقوقه مثل حق الإقامة والتعليم والرعاية الصحيّة. لكن تلك الاتفاقية لم تحمل طابعاً عالمياً إذ خصّت فقط اللاجئين على إثر الأحداث الحاصلة في أوربا، ووقعت عليها 149 دولة من أعضاء الأمم المتحدة من أصل 192 فيما امتنعت 44 دولة عن التوقيع وكانت معظمها من دول الشرق الأوسط وآسيا كالعراق ولبنان والأردن وسورية ودول الخليج، رغم أن سورية كانت من الدول التي شاركت في اللقاءات التشاورية لكن دستورها لا ينص على منع تسليم اللاجئين.

وما زالت المفوضية مستمرة في تقديم ما أمكن من مساعدات وحماية للاجئين في كل بقاع العالم بعد أكثر من سبعين عاماً على تأسيسها.

ثم أُقِرَت الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين عام 1951، وبعدها جاء ما سُمّي بالبروتوكول المتعلق بأوضاع اللاجئين عام 1967 لقوننة التعامل مع اللاجئ.

وهناك مبدأ في القانون الدولي يسمى عدم الإعادة القسرية للاجئ إلى بلده الأصلي كجزء من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين.

إن الموقف السلبي لمعظم الدول العربية تجاه قضايا اللجوء تتقاطع مع مواقف ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من هذه القضية، إذ شهدت عدد من البلدان صعود أنظمة قومية عسكرية ذات نزعة فاشية ولا تعترف بحقوق الإنسان ولا توجد لديها دساتير حقيقية أو مؤسسات منتخبة، إضافة الى ما شهدته المنطقة من مد إسلاموي أجبر كثيراً من السلطات على تضمين الدساتير الشكلية لديها نصوصاً تعتبر الدين الإسلامي مصدر تشريع، الأمر الذي يعرقل الالتزام بالقوانين الدولية حيثما شاؤوا بذريعة التناقض من الشريعة الإسلامية.

ويختلف اللجوء كمفهوم عن الهجرة وعن النزوح أيضاً، فالهجرة هي الانتقال عبر حدود دولية أو داخل دولة بعيداً عن مكان الإقامة المعتاد دون اعتبار الوضع القانوني أو سبب الانتقال أو المدة، أما اللجوء فهو أن يُجبر الإنسان على ترك منزله خوفاً من الاضطهاد.

في الحالة السورية بعد اندلاع الحراك الشعبي ثم تدهور الأحوال إلى حرب كارثية أحرقت الأخضر واليابس ورمت بحوالي عشرة ملايين سوري إلى خارج البلاد هاربين من القتل والاعتقال والبطش والاضطهاد والحرمان من أساسيات الحياة، الأمر الذي جعل سورية في مقدمة الدول المُصدِّرة للاجئين.

وتعرض اللاجئون في دول الجوار، وخصوصاً العربية منها إلى أسوأ معاملة، وتمت المتاجرة بمأساتهم واستغلال الحاجة المادية لهم بدناءة قلَّ نظيرها، عكس الدول الأوربية التي استقبلت ملايين اللاجئين، وأمّنت لهم ظروفاً إنسانية ولو في الحد الأدنى، وأتاحت كثير من هذه الدول للاجئ السوري الاندماج في  مجتمعه الجديد ولم شمل عائلته، بينما قدمت كل من الأردن ولبنان، ثم تركيا بدرجة أقل، أسوأ نموذج في التاريخ لمعاملة اللاجئ إنسانياً وقانونياً، ما يندى له جبين البشرية من الاستيلاء على أموال الدعم المقدمة من مفوضية الأمم المتحدة، والمتاجرة بشبابهم في الحروب الإقليمية، واستغلال الحاجة المادية لتزويج الفتيات القاصرات من رجال أثرياء كبار في السن في حالة هي أقرب إلى تجارة الرقيق الأبيض.

ثم سادت في العامين الأخيرين نغمة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وهي كلمة حق يُراد بها باطل، فإلى أين سيرجع هؤلاء اللاجئون، ما دام لم يُبدأ أساساً بإعادة إعمار ما دمرته الحرب؟ وما هو مصيرهم في ظل غياب حل سياسي لا مفر منه على أساس القرار 2254 وما يتضمنه من تشكيل هيئة حكم انتقالي تقوم بمهمة إدارة انتخابات حرة بمراقبة دولية تتواقت مع عفوٍ عام حقيقي وناجز، والإفراجٍ عن المعتقلين والمخطوفين، وإحالة مجرمي الحرب إلى محاكم عادلة، وغيرها من أساسيات العدالة الإنسانية وحقوق البشر؟!

إن إجبار اللاجئين السوريين على العودة في ظل عدم إحراز أي تقدم في العملية السياسية، وعدم تأمين بيئة سياسية اجتماعية اقتصادية لعودتهم، هو جريمة كاملة الأركان تقوم بها بعض الدول المجاورة، وخصوصاً السلطة اللبنانية، وتعني دفع هؤلاء الضحايا إلى الاعتقال أو الموت أو كليهما.

فلتتضافر الجهود كلها في سبيل إنجاز الحل السياسي المنشود، وبعد ذلك يتم الحديث عن عودة آمنة وكريمة لمن يرغب، فقط لمن يرغب من اللاجئين السوريين إلى ديارهم، وهذا أضعف الإيمان.

العدد 1112 - 26/6/2024