قطع النت والاتصالات في الامتحانات العامة.. لماذا يبقى السوريون متّهمين سلفاً؟

(النور)- خاص:

قطع النت والاتصالات في فترة الامتحانات العامّة ليس جديداً، فقد بدأ اعتماده منذ سنوات، وهو يستند إلى مبدأ: أنت متّهم حتى تثبت براءتك!

فكأن لسان حال وزارة التربية يقول: أيها المعلمون والمعلمات- يا مربّي الأجيال، ويا أيها الأبناء والبنات.. أنتم وأنتنّ متّهمون سلفاً بالغشّ والفساد، أو بتسهيلهما، من موقعكم كمراقبين، في قاعات الامتحان، حتّى تثبتوا براءتكم!

 

الاتصالات تستجيب!

(استجابةً لطلب وزارة التربية، وحرصاً على مستقبل أبنائنا، من أجل تحقيق العدالة والنزاهة في سير العملية الامتحانية …)، هكذا أعلمت السورية للاتصالات مشتركيها بمواعيد قطع النت والاتصالات في أيام امتحانات الشهادتين الثانوية والتعليم الأساسي، التي تمتدّ ثلاثة أسابيع.

والآن نسأل: كيف سيثبت هؤلاء جميعاً براءتهم؟ وأمام أية محكمة؟

 

… أن يكون رسولا!

كيف يتسق مع وزارة التربية أن تتهم المعلمين والمعلمات:

  • الذين قال أحمد شوقي عنهم (كاد المعلم أن يكون رسولا)،
  • والذين يربّون الأجيال ويفنون أنفسهم ليضيئوا لطلابهم دروب الحياة والمستقبل،
  • والذين يتحملون، منذ عشرات السنين، معاناة لا توصف، إذ يجدون أنهم، في حالات كثيرة، غير قادرين على تأمين مستلزمات دراسة أبنائهم وبناتهم، لأن رواتبهم وتعويضاتهم زهيدة إلى درجة مخجلة!
  • الذين ابتلعوا كثيراً من الإهانات، وكانت واحدةً منها الإهانةُ التي وجّهها وزير سابق للتربية، منذ سنوات، بأن على من لا يعجبه الراتب من المعلمين أن يرحل!

كيف يتسق مع وزارة التربية أن تتهم كلّ هؤلاء بتسهيل الغش والفساد؟!

وهل هناك دولة محترمة في العالم كله تتعامل بهذا الأسلوب مع المعلمين والمعلمات، ومع الطلاب والطالبات؟

بالتأكيد، ليس جميع المعلمين والمعلمات قدّيسين، ولا يمكن أن ننفي وجود حالات فساد، أو مساهمة في الغش أو تسهيله، وهذا أمر يمكن حدوثه في كثير من دول العالم، ولكن هذه الحالات تبقى محدودة جداً، بل يمكن القول إنها نادرة، فهل يُعقل أن يُسكَتَ عن هذه القلة أو يُغَضَّ النظر عن سلوكها، وأن تُطبّق عقوبة جماعية تستند إلى شبه تهمة مُهينة، بحقّ عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات، ومن المربّين والمدرّسين والمدرّسات؟!

 

 

نقابة المعلمين.. أين هي؟!

نقابة المعلمين كانت في الخمسينيات من القرن الماضي قادرة على إسقاط حكومة، وأكثر!

أمّا نقابة المعلمين، اليوم، فتغيب أو تكاد تغيب عن كل هذا المعمعان، ولا يُسمع لها حسّ ولا اعتراض، ولا هي تطالب بحقوق منتسبيها، ولا تدافع عنهم، بل إنها أحياناً تصفق للوزارة أو تبرّر لها قراراتها، وهذه واحدة من نتائج الهيمنة على النقابات، واعتماد أسلوب التعيين، الذي يستند أساساً إلى حالة الطوارئ التي سادت في البلاد خمسين عاماً، ما جعل العقلية الأمنية تحكم كثيراً من القرارات والسياسات والتوجهات.

 

خارج الصحن

ويلاحظ المتابعون أن وزارة التربية تشدّد عاماً بعد عام إجراءاتها، وتعليماتها، لضبط هذه الامتحانات، و(قمع حالات الغشّ والفساد)، ولكنها في كلّ عام تُفاجأ بأساليب غشّ جديدة، أو قديمة تتكرر (ومن ذلك أن عدداً ممن نالوا العلامات التامة في امتحانات الثانوية للعام الماضي كانوا من قاعة واحدة)!

إذاً، ليس الحلّ في تشديد الإجراءات، وإلّا فإن الوزارة مصرّة أن (تغمّس خارج الصحن)!

 

الخصم والحكم!

ولأن الوزارة الموقرة وضعت نفسها في موضع النائب العام والقاضي ومنفّذ العقوبة، فإنها لم تكتفِ بمنع التلاميذ والمراقبين من إدخال الموبايلات إلى قاعات الامتحان، أو إلى المركز الامتحاني، بل طال الحرمان ليشمل كل السوريين، بقطع خدمات النت قبل بدء الامتحان بساعتين (من السادسة صباحاً حتى نهاية الوقت المخصص لكل مادة) وقطع الاتصالات من الثامنة صباحاً إلى منتصف توقيت كل مادة)، كأن السوريين لا يكفيهم غياب الكهرباء عن بيوتهم ومشاغلهم ومراكز عملهم معظم ساعات الليل والنهار، فهل أمكن لها أن تمنع (محاولات الغش)؟

وهل سيضمن قطع النت والاتصالات، عن السوريين، منع حالات الغش والفساد؟

 

فاسد بمرتبة مدير تربية!

يبدو أن وزارة التربية صارت تنافس وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، التي يتباهى مسؤولوها بعدد الضبوط التي تنظمها دورياتهم، فقد أعلنت وزارة التربية، بعد بدء الامتحانات، عقوبة إعفاء مدير التربية بدمشق، بتهمة تسريب أسئلة، أو خلل في تأمين المراكز الامتحانية.

ورغم أن في قرار العقوبة هذا جرأةً لافتة، إلا أن ذلك لا يكفي، وينتظر المهتمون أن تُجرى محاكمة علنية لهذا المدير ولغيره، لكشف شبكات الفساد، بدءاً ممّن رشّحه ومن زكّاه، ومن دعمه، ومن استفاد منه، وصولاً إلى من شاركه أو ساعده أو غضّ النظر عنه.

 

مستقبلنا.. يا أصحاب القرار!

بعد سنوات الجمر الطويلة وتبعات الأزمة الكارثية، التي انفجرت في آذار 2011، آن للسوريين أن يهيّئوا أنفسهم للخروج من نفق هذه الأزمة، وأن يتحاوروا ويتوافقوا على مستقبل البلاد الديمقراطي العلماني، وإعادة بناء ما دُمّر، والدور الأكبر في ذلك هو من مهمّات قطاع التعليم ووزارة التربية هي المشرفة والمسؤولة عن هذا القطاع، فلتخرج من هذه النظرة الأمنية الضيّقة في التعامل مع (بُناة الأجيال)، إلى إنصافهم مادياً ومعنوياً، ليكونوا فعلاً منارةً للأجيال، التي ستبني بجهودها وأفكارها سورية الغالية على السوريين!

 

العدد 1110 - 05/6/2024