اليوم الدولي للوالدين.. أجندة بلا أثر فاعل

إيمان أحمد ونوس:

(الأسرة هي القلب النابض للحياة الاجتماعية، لأنها تضمن رفاه أفرادها، وتعلّم أطفالها وشبابها وتنشئ الوعي الاجتماعي فيهم، ولذا فهي وحدة رعاية الكبار والصغار. ويمكن أن تُسهم الأسرة على وجه الخصوص في صياغة السياسات المعنية بها فيما يتصل بتحقيق أهداف التنمية المستدامة وبخاصة الأهداف المعنية بالقضاء على الفقر والجوع، وتعزيز الحياة الصحية والرفاه للجميع، وضمان الفرص التعليمية الدائمة، وتحقيق المساواة بين الجنسين).

هكذا ينظر المسؤولون الأمميون إلى الأسرة التي خُصّص لها يوم عالمي بتاريخ 15 أيار من كل عام، وهو يعكس اهتمام المجتمع الدولي بالأسرة، لأنها النواة الأولى لمختلف المجتمعات البشرية.

وانطلاقاً من هذا، ولأن عماد هذه الأسرة أبوان مُكلّفان بتأمين كل احتياجات أفرادها على مختلف المستويات، فقد ارتأت الهيئات الدولية أن تتمَّ العناية بالأبوين ودعمهما بكل ما يمكن لأجل القيام بمهامهما المنوطة بهما، فقد أعلنت الأمم المتحدة عام 2012 بالقرار رقم 66/292 الأول من حزيران يوماً عالمياً للوالدين تقديراً منها (لكل الآباء في جميع أنحاء العالم لالتزامهم تجاه الأطفال وتضحياتهم مدى الحياة من أجل رعاية هذه العلاقة).

وأعتقد أن تحديد هذا اليوم بالتزامن مع اليوم الدولي لحماية الأطفال الذي أقرّه الاتحاد النسائي الديمقراطي الدولي في مؤتمره بموسكو بتاريخ 4 تشرين الثاني عام 1949 وتمّ اعتماده دولياً عام 1950 يأتي للدلالة الأكيدة على أن الأبوين بحاجة إلى الدعم لمنح أطفالهم أفضل بداية ممكنة في الحياة.

وهنا يتضح أن دعم الأبوين ورعايتهما لا تقتصر على شيخوختهما فقط كما هو شائع، بل تسبقها بسنوات كان الأبوان خلالها في ريعان شبابهما، وأن مهامهما تحتاج وتتطلّب الدعم والرعاية اللازمين للقيام بمسؤولياتهما تجاه الأسرة والمجتمع. مع أن تقديم الدعم لهما حين الوصول للشيخوخة ضرورة موازية لأنهما حينئذٍ يفقدان القدرة على العمل ويحتاجان لكل دعم إنساني/ مادي، على الأبناء والمجتمع والحكومة بهيئاتها المعنية تقديمه لهما كي ينعما برفاهية أو أمان يليق بعطائهما السابق.

لقد أكّد معهد جنيف لحقوق الإنسان ضرورة مساهمة الحكومات في دعم الأُسَر الفقيرة التي يعمل فيها الآباء ساعات طويلة بعيداً عن أسرهم. بما يخلق وضعاً يحقّق أحد أهمّ مرتكزات التنمية المستدامة وهو الاستقرار.

لكن، إذا ما نظرنا إلى واقع المجتمع السوري، وبالتحديد الأسرة السورية منذ ما قبل بدء الأزمة السياسية التي تحوّلت إلى حرب طاحنة التهمت كل مقوّمات الحياة الكريمة لكل أفراد الأسرة، نجد أن الأبوين في تيهٍ دائم وقلق مستمر لعدم قدرتهما على تأمين الاحتياجات الأساسية ولا الرعاية المطلوبة لأولادهما، بسبب تبعات تلك الحرب من فساد وغلاء وبطالة أدّت جميعها إلى هجرة أُسر بأكملها خارج البلاد، أو إلى هجرة الأبناء الذين لم يجدوا في بلدهم أيّاً من مقومات الحياة باتجاه مستقبل آمن وإيجابي، فتركوا خلفهم آباء ما زال القهر ينهش أرواحهم وأجسادهم صباح مساء لأكثر من سبب، فهم لم يعودوا بأعمار تساعدهم على تأمين احتياجاتهم المادية والمعنوية، كما أنهم افتقدوا لمن كانوا يأملون أنهم سندهم وأمانهم حينما تخذلهم قواهم والحياة، وهذا بحدِّ ذاته قهرٌ مقيم يُفقد الحياة بهجتها وأمنها وأمانها بالنسبة لهم، لاسيما حين تلتهم الغربة أبناءهم الذين يغوصون في ساعات عمل طويلة لا تسمح لهم بالتواصل الدائم أو الدعم المادي المطلوب، فيبقى الأبوان عالقين على ضفاف اللهفة والانتظار اللامجدي في بعض الأوقات والحالات.

مؤسفٌ حقاً أن يصل حال الأسرة السورية عموماً، والأبوين خصوصاً، إلى ما هو حاصل اليوم، لاسيما في ظلِّ غياب اهتمام الجهات الحكومية الرسمية عن المشهد وابتعادها عمّا نصّ عليه الدستور من ضرورة الاهتمام الجاد والحقيقي والفعّال بالأسرة حسبما جاء في المادة 20 منه التي تنصُّ على أن الأسرة هي نواة المجتمع ويحافظ القانون على كيانها ويقوي أواصرها. إضافة إلى ما ورد في المادة 22 التي تنصُّ على:

1- تكفل الدولة كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليُتم والشيخوخة.

2- تحمي الدولة صحة المواطنين وتوفر لهم وسائل الوقاية والمعالجة والتداوي.

وهنا نتساءل: هل التزمت الحكومات المُتعاقبة بنصوص الدستور فعلاً، أم أنها ضربت عرض الحائط بكل ما يمكن أن يحمي الأسرة من العوز والفقر والتشرّد، وبالتالي ضرورة إنقاذ أولئك الآباء الذين لم يبقَ لهم ما يحميهم من ذلِّ الحاجة والسؤال لأجل نهاية كريمة تليق بإنسان سوري كان على الدوام رمز العطاء والكرامة والنبوغ في مختلف مجالات العلوم والحياة؟

وهل من إمكانية جادة وحقيقية لتفعيل جميع الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية وعدم بقائها مجرّد أجندات لا تأثير حقيقياً لها على أرض الواقع إنقاذاً لملايين السوريين التائهين في مختلف أرجاء في العالم؟!

العدد 1110 - 05/6/2024