الاستحقاق الدستوري في الزمن الصعب

كتب رئيس التحرير:

تجري الانتخابات النيابية في البلاد في الخامس عشر من شهر تموز القادم، وهي الاستحقاق الدستوري الأبرز في ظل ظروف استثنائية، وصعبة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

فما تزال بلادنا تخوض مواجهة بقايا الإرهابيين ومقاومة الاحتلال الصهيوني والأمريكي والتركي للأرض السورية، ومحاولات تقسيم البلاد، والحفاظ على وحدة شعبها، ومازال شعبنا رغم معاناته المعيشية والاجتماعية والإنسانية يقف وراء جيشه الوطني لإنجاز هذه الاستحقاقات الوطنية، وفي الوقت ذاته يواجه مخطط الهيمنة الأمريكية- الصهيونية، والعدوان على الشعب الفلسطيني، ومحاولات الكيان الصهيوني توسيع عدوانه بهدف اجتياح المنطقة العربية، وما يزال شعبنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يطمح إلى مستقبل ديمقراطي.. علماني.. تقدمي.. معادٍ للإمبريالية والصهيونية، ولمشاريع الهيمنة والاستقطاب.

هذا النضال الوطني الذي تخوضه سورية وشعبها، يجري في ظروف حصار جائر، وعقوبات اقتصادية قاسية، أدّت، إضافة إلى الخسائر التي تكبّدها اقتصادنا الوطني بفعل جرائم الإرهابيين، إلى تراجع جميع المؤشرات الاقتصادية، وإلى حالة من الركود والانكماش، انعكست على الصعيدين المعيشي والاجتماعي، وأدت إلى ارتفاعات متواصلة لأسعار جميع السلع والخدمات الأساسية للمواطن السوري، وتراجع قيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية، وقزّمت الأجور والمداخيل، وحوّلت نحو 85% من السوريين إلى خانة الفقر.. والفقر المدقع، في الوقت الذي اقتنصت فيه فئات من النخب (البازغة) ظروفَ الحرب والمعاناة لتكديس الثروات، والتحكم بالأسواق، وعقد الصفقات، والمضاربة في الأسواق البيضاء والسوداء، وشبكات فساد كبرى مدّت خيوطها إلى مفاصل أساسية في الأسواق والإدارة. وفي الوقت ذاته عانت فيه جماهير الشعب السوري انسحاب الحكومات التدريجي من مبدأ الرعاية الحكومية للفئات الفقيرة، وتهميشها للقطاع العام، وخصخصته بدلاً من تطويره، والتخلّي شيئاً فشيئاً عن ملكية الدولة وإدارتها للمرافق العامة، والتوجّه قولاً وفعلاً باتجاه اقتصاد السوق الحر.

إن النجاح في مواجهة هذه المرحلة الصعبة، يتطلب مجلساً تشريعيا يمثل جميع أطياف الشعب السوري وقواه الوطنية والتقدمية، يتولى متابعة المهام الوطنية الكبرى المتمثلة بالقضاء على بقايا الإرهابيين، ومقاومة الاحتلال الصهيوني والأمريكي والتركي، والحفاظ على السيادة ووحدة البلاد أرضاً وشعباً، والعمل على إنجاح الجهود السلمية لحل الأزمة السورية بالاستناد إلى الثوابت الوطنية.

كما يتطلب مراجعة جميع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعتها الحكومات منذ بداية الأزمة، وإلغاء ما تسبّب منها في زيادة معاناة الناس، وهمّش مطالبها الأساسية، بعد أن أدت هذه السياسات إلى تحول جوهري في دور الدولة من راعية للفئات الفقيرة والمتوسطة إلى محايدة.. بل محفزة لفئات مقتدرة.. وثرية.. ومستغلة لظروف الحرب الصعبة، والعمل على وقف التوجه باتجاه اقتصاد السوق الحر، واعتماد اقتصاد تنموي يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة ومتوازنة.

المعضلات المعيشية هي الهمّ الأكبر الذي ينبغي على ممثلي الشعب المنتخبين أن يعملوا على ملاقاته، وتخليص جماهير الشعب السوري من أعبائه، فالفقر والبطالة والهجرة وتدني الأجور قياساً إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وصلت إلى مستويات مأساوية تنذر بالمخاطر الاجتماعية والإنسانية.

أما الهم الاجتماعي فيتلخص بتطوير العملية التربوية من خلال الإبقاء على مجانية التعليم في جميع مراحله، وتحديث المناهج، وإنصاف المعلمين، ورعاية عائلات الشهداء العسكريين والمدنيين، وتسهيل عودة المهجرين إلى منازلهم وبيوتهم، ووضع التشريعات التي تنصف المرأة السورية وتساويها بالرجل، وتحفز مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية في ظل علمنة الدولة، وتحييد التأثير الديني والطائفي في وضع القوانين، وممارسة الدولة لمهامها كراعية لجميع المواطنين.

كما تنهض أمام المجلس الجديد مهمة تلبية طموحات الشباب السوري، وتوفير فرص العمل لهم، ومساعدتهم في تأمين مستقبلهم، بهدف إيقاف هجرتهم التي أصبحت نزيفاً سيترك آثاره المدمرة على مستقبل البلاد.

وفي الشأن الخارجي، تقتضي الظروف الحالية العمل على تمتين العلاقات السياسية والاقتصادية مع الأشقاء العرب، وحلفاء سورية، وتوسيع جبهة الأصدقاء عبر اللقاءات البرلمانية وجمعيات الصداقة، واقتراح التشريعات المناسبة لذلك.

جميع هذه الإجراءات ينبغي أن تتحقق حسب اعتقادنا بالاستناد إلى تشريعات وممارسات لا هوادة فيها لمكافحة الفساد، وسدّ الثغرات القانونية التي يتسرب منها، بعد أن تحول إلى عائق أمام تحقيق أي تنمية حقيقية للبلاد.

ونأمل أن يمثل هذا المجلس أوسع تحالف للقوى الوطنية المعبّرة عن خيارات شعبنا السياسية والاجتماعية دون العودة إلى الاستئثار.. والتفرّد.. وفرض الرأي، وأن تُمثَّل فيه الجبهة الوطنية التقدمية بشكل فعلي.. لا رمزي، باعتبارها تحالفاً بين القوى السياسية الوطنية الأساسية، تزداد أهميته في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا، ويبرز دوره الأساسي في توحيد كلمة السوريين باتجاه استمرار الصمود.. والمواجهة.

هذا ما نراه نحن في الحزب الشيوعي السوري الموحد، وسنعمل جنباً إلى جنب مع بقية الأحزاب الوطنية والتقدمية داخل الجبهة الوطنية التقدمية وخارجها من أجل تحقيقه من خلال المشاركة في هذا الاستحقاق الهام، وغيره من الاستحقاقات القادمة لتعزيز سيادة الوطن، وإعلاء كرامة المواطن.

العدد 1110 - 05/6/2024