شباب بأرواح كهلة

وعد حسون نصر:

شبابنا الذي حمل هموماً جعلته يفقد معها طاقة الحياة، من هموم الدراسة إلى هموم الاستقرار والعمل، وهمّ الخدمة الإلزامية، وهمِّ السفر.. وغير ذلك كثير. هموم باتت كلها قيوداً طوّقت معاصم الشباب وجنازير لُفَّتْ حول رقابهم، فخنقت أفكارهم وأحلامهم وطموحاتهم، وسلبتهم قدرتهم على الكلام ولو بالنجوى عن آمالهم وأحلامهم! عجلات الحياة وعقارب الزمن داست على حيويتهم، فبات كلٌّ منهم أشبه بكهلٍ يسير في طريق خالٍ ونفدت من يده قارورة الماء، فبات وسط الطريق لا يستطيع الرجوع ولا حتى الاستمرار، مكث منتظراً رحمة ربّه وأن تجود السماء عليه بقطرات الماء ليحيا من جديد، ربما يعاود النهوض ويتمكّن من السير نحو نقطة ما لا يهمّ ما إن كانت البداية أو النهاية، المهمّ النجاة والعودة!

باختصار، هذا حال الشباب داخل إطار أزمتنا، أحلام مُقيّدة تريد أن تبصر النور، وطموحات تُصارع لتلج الحياة، فمن كان منهم على مقاعد الدراسة بات همّه منحصراً فيما بعد الدراسة، فإذا كان في مرحلة الثانوية انحصر همّه في مستقبله العلمي وتخصّصه الدراسي في الجامعة التي باتت حلماً لأبناء الطبقة الفقيرة. ومن أنهى دراسته التخصّصية في الجامعة بات همّه إيجاد عمل وتأسيس حياته واستقراره، وكلاهما همهما كباقي أبناء الشعب السوري تأمين السيولة المادية لتغطية احتياجاتهم الأساسية والضرورية من طعام وشراب ولباس وسكن وأجور مواصلات وطبابة وغيرها من أساسيات البقاء!

للأسف الشديد، شبابنا الذي يُعدُّ المقوّم والداعم لنهوض المجتمع وازدهاره خاصة أننا أمة فتية خانتها الظروف وسلبت منها طاقتها الإيجابية وغدت هي بحدِّ ذاتها تحتاج إلى دعم كي تكمل مسيرتها في الحياة! لنبني مجتمعاً علينا أن نبني أجيالاً، ندعم الشباب، نصنع فكراً ونطور ثقافة. نوفر فرص عمل، ننمّي المواهب، نخلق روح التشاركية ومتعة التنافس، نُعزّز وندعم لغة الحوار، ونهتم بالإبداع.

لكن من الواضح أننا الآن بعيدون كل البعد عن هذا التفاعل، فنحن عالقون داخل دائرة البطالة، مشحونون بالشحنات السلبية وطاقات الحسد والأحكام المسبقة، ننعت بالفساد كل شخص يحاول أن يُصحّح لنا معلومة خاطئة، نقتل مواهب شبابنا باسم المحسوبية، نخلق العداوة بين زملاء العمل ونقتل روح المشاركة، نغتال متعة التفوّق على مقاعد الدراسة! فكيف لهذا المجتمع أن ينهض وشبابه مهموم بمشكلات وعقبات بدل أن نزيلها من أمامه ونُذلّلها، نضعها ونكدّس فوقها أحقادنا المُزمنة.

الشباب عماد كل مجتمع، وليزدهر هذا المجتمع يجب أن يكون شبابه في قمة العطاء بعد أن نؤمّن لهم فرص العمل ومناخ الدراسة واستقرار ما بعد الدراسة، نبعدهم عن فكرة السفر ونُعزّز المناخ الملائم داخل البلد لتطوير الإبداع والفكر لنحميهم من شرور الإدمان الناتج عن الفساد والانحلال والبطالة والانصراف عن الدراسة، نوضح لهم المراسيم والقوانين الخاصة بمستقبلهم، من قانون الخدمة الإلزامية إلى مراسيم التأهيل العلمي داخل المدارس والجامعة إلى قوانين العمل، نشعرهم بالأمن والأمان، وأننا نحتاجهم لنبني الوطن بسواعدهم القوية وبنيتهم المتينة، وأن نجعلهم العنصر الأساس في مسيرة التطور لا العكس! إنما للأسف من عام إلى عام نفقد كوكبة من شبابنا، شباب يغادروننا ليبدعوا خارج قيودنا، ليزهروا ويبرعموا وينتجوا أطيب الثمار بتربة خصبة وجدوا فيها كل مقومات الحياة!

حافِظوا على الشباب ما استطعتم، لأننا بتنا كهولاً نحتاجهم بجوارنا لتتوازن الحياة، فلا نجعل مَن أرغمته الظروف على البقاء داخل الوطن شاباً بروح كهل، ألا يكفي أن أغلبنا أضحى كهلاً، وشاخت بنا الحياة، دعوا الشباب يزهر مُجدّداً، فالوطن بحاجة إلى براعم جديدة بعد أن ذبلت وروده، وجفّت تربته من كثرة الأموات في جوفها.

العدد 1110 - 05/6/2024