العدل فكرة

حسين خليفة:

كما أيّ فكرة تجد من يفني عمره من أجلها دراسة وتمحيصاً وشرحاً ورسماً وغناء، أو عملاً وكداًّ وكفاحاً، وتجد أيضاً من يبيع ويشتري بها، فيصبح من أصحاب المليارات من وراء تجارته، ويبقى يرطن بها وبمفرداتها وشعاراتها، وتجد كذلك من يسطو عليها ويجعلها ملكية خاصة حصرية ويورثها لزوجته وأبنائه وأحفاده لأن كل من لا يدين له بالولاء هو عدو للعدالة التي طوّبها صاحبنا باسمه وباسم ورثته.

هكذا هي العدالة كما كل الأفكار النبيلة: نظيفة، بيضاء، واسعة، لكن (رُكّابها) كُثُر، وأعداؤها كُثُر أيضاً، وأصحاب المصلحة فيها هم الأغلبية المغلوبة المقهورة المحرومة، لكن الساعين إليها قلّة للأسف.

منذ أفلاطون الذي قال: (بالعدل ثبات الأشياء، وبالجور زوالها، لأن المعتدل هو الذي لا يزول)، فكل جور إلى فناء، وكل ظالم وطاغية ومجرم له نهاية قريبة يبصرها هو قبل غيره، لكنه يكسب الوقت في الاستمرار في جوره وظلمه إلى أن تحين ساعته.

الطاغية الظالم الناهب لقوت الناس الذي يُنكّل بكل من يسعى إلى العدالة، فيرميهم في غياهب السجون أو في المقابر ليؤدّب بهم الآخرين، هو التجسيد الحقيقي للجانب المظلم من لوحة الحياة، لكن الأكثر ظلاماً منه، والأسوأ منه، هو ذلك المثقف أو العامل في الشأن العام، الذي يعلم جيداً حقيقة هذا الحاكم الجائر المستبد، وخطره على المجتمع والحياة والتاريخ، لكنه يبتدع أعذاراً للوقوف معه والتبرير لكل أفعاله وإلقاء اللوم في ارتكاباته كلها على خصومه والمتآمرين عليه، بل ويلقيها أحياناً على الضحايا أنفسهم.

يلي هؤلاء في السوء وتحمُّل نتائج أعمال الظالم هؤلاء الذين يختارون الحياد في ساعات الحسم، عندما تنهض جموع المظلومين والمنهوبين والمقموعين ليكسروا أغلالهم ويغيروا وجه التاريخ ليبدؤوا كتابة تاريخ جديد، فيسارع هؤلاء إلى زنازين صمتهم ليحبسوا أنفسهم وأرواحهم فيها، إما خوفاً من الأثمان الباهظة التي ربما تكلفهم مواقفهم مع الناس، أو طمعاً في نيل رضا الطاغية فيما لو كسر شوكة الثائرين وأضاف إلى عمره سنوات أخرى (وأعمار الطغاة قصار).

القس الإفريقي المناضل ديزموند توتو الذي أفنى عمره في النضال ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب إفريقيا يقول عن هؤلاء:

(إذا كنتَ محايداً في حالات الظلم فقد اخترتَ أن تكون بجانب الظالم).

العدالة فكرة، والفكرة لا تموت، تبقى على مرِّ الدهور، قد يخبو بريقها أحياناً بسبب طغيان الظلام وغياب الوعي عند المظلومين، وجبن النخب الفكرية والثقافية واختيارها حياة الدعة والراحة إلى جانب الطاغوت، لكنها لا تلبث أن تعود مضيئة دافئة كأحلام المظلومين في ليالي الشتاء الباردة.

المشكلة التي تتكرّر عبر تاريخ الصراع بين العدالة والظلم بكل تجلياتهما وتجسيداتهما هي أن الطغاة لا يتعظون، ويتوهمون أن التاريخ أصبح ملكاً لهم يسيّرونه كما يشاؤون، لكنهم يصبحون بعد قليل في حساب التاريخ نقطة سوداء ومثالاً من أمثلة زوال الظلم وانتصار العدالة ولو جزئياً، إذ إن انتصار العدالة المطلق هو يوتوبيا، حلم، كجمهورية أفلاطون، أو الجنّات التي وعد بها الرب المتقين والمؤمنين والفقراء.

يتوهم الطاغية الظالم أن قوّته المالية والعسكرية والأمنية كافية لإسكات كل الناس كل الوقت، لكن وهمه يقتله أخيراً، وتتداعى إمبراطوريته إما بثورة المظلومين عليه، أو بعدو خارجي لن يجد الطاغية في مواجهته أحداً، لأن عسسه وجنوده لاذوا بالفرار، فهم لم يكونوا يوماً معه سوى لتحقيق مآربهم، والناس المقموعون الخائفون ينتظرون خلاصهم منه ولو على يد عدو خارجي، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

ومعروفة قصة والي حمص الذي أرسل إلى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يطلب مالاً ليبني سوراً حصيناً حول المدينة ليحميها من الغزاة، فكتب له الخليفة العادل كلمتين: (حصّنها بالعدل، ونقِّ طرقها من الظلم فذلك أمنع لها).

ليس لدينا أدنى وهم بأن طغاتنا يقرؤون، وإن قرؤوا يتعظون، لكننا دائماً نسعى إلى ذلك اليوم الذي نُسوّر فيه مدننا وقرانا وحقولنا ومصانعنا بالعدل، بالعدل فقط.

العدد 1102 - 03/4/2024