الارتجال.. والتخبّط!

وحيد سيريس:

يبدو أن هذه الحكومة تجهل أو تتجاهل شيئاً اسمه: التخطيط!

فالارتجال والقرارات المتسرعة هي إحدى السمات التي أصبحت ملازمة لأداء الحكومة،

وآخرها: موضوع الأسئلة الامتحانية المؤتمتة لطلاب البكالوريا(*).

إذ.. فجأةً، ارتأت وزارة التربية بل وقررت، أن تغيير نمط أسئلة الشهادة الثانوية قد حان وقته، معتبرة (أن نمط الأسئلة المؤتمتة له عدة إيجابيات منها:

إبعاد الطالب عن أسلوب الدراسة الحفظية والتركيز على الفهم للمعلومة الدرسية.

اختصار وقت الامتحان للمادة الواحدة إلى ثلث الوقت الذي يستغرقه الإجابة عن الأسئلة، وفق النمط القديم (السابق).. وبالتالي اختصار وقت الأساتذة المشرفين على مراقبة القاعات الامتحانية. السرعة والسهولة في عمليات تصحيح الأوراق الامتحانية.. وتقليص الأخطاء والاجتهادات البشرية التي يمكن أن تحصل أثناء التصحيح في النمط السابق (المعتاد).

إضافة إلى (أن نمط الأسئلة المؤتمتة يتماشى مع ما تعتمده الدول الأخرى منذ سنوات في المراحل التعليمية المختلفة).

إذاً، هذه هي أهمّ المسوّغات التي طرحها مسؤولو الوزارة وبضمنهم وزير التربية، لاعتماد نمط الأسئلة المؤتمتة.

المشكلة ليست هنا، فالمسوّغات صحيحة ومنطقية، لكن هذا القرار الذي بدا ارتجالياً، ودون تخطيط مسبق، قد أربك، بسبب توقيته في أواخر الفصل الأول، وقبل فترة قصيرة من الامتحان النصفي، كل المؤسسات التعليمية (مدارس عامة وخاصة ومعاهد)، أربك المدرّسين والطلاب.. وحتى الإداريين.. وشكّل حالة رعب لأهالي الطلبة، وزاد خوفهم على مستقبل أولادهم.. في مسألة مستجدة غير متوقعة.. لأن هذا القرار اعتُمد، وسيطبق فوراً في هذا العام الدراسي 2023- 2024.

وستكون الأسئلة مركزية على مستوى الجمهورية، في الامتحان النصفي، وظهر الارتجال وعدم التخطيط وعدم التدرج في تطبيق هذا النموذج من الأسئلة، في النتائج، إذ كانت نسبة النجاح لطلاب الشهادة الثانوية وفقاً للنموذج الجديد (الأسئلة المؤتمتة) في الامتحان النصفي بعد التصحيح ١٥٪ فقط.. وهناك من سرّب أن النسبة الحقيقية هي ٨٪ وجرى رفعها إلى ١٥٪ بقرار إداري.

أنا هنا لا أنتقد النمط المؤتمت بحد ذاته، بل أنتقد أسلوب التطبيق، إذ كيف يطبّق فوراً على الشهادة الثانوية (خبطة واحدة).. دون التدرج باعتماده في المراحل الدراسية الأدنى.. من الصف السابع مثلاً، مع إقامة دورات تدريبية للمدرسين حول هذا النمط الجديد من الأسئلة، وبذلك يتسنّى للمدرسين تدريب الطلاب خلال العام الدراسي (مذاكرات تحريرية شهرية.. أوراق عمل أسبوعية… الخ).. وامتحانات نصفية.. ونهائية.. ثم يترافق هذا النمط الجديد مع الطلاب المنتقلين إلى الصف الثامن، ثم التاسع، وهكذا.

الارتجال والتسرع نتيجته الفشل المؤكد.. ومسألة امتحانات الشهادة الثانوية هي من المسائل الهامة جداً.. بل وترقى إلى مستوى الهم والاهتمام الوطني بامتياز.. ولا يمكن أن تخضع للمزاج أو القرارات المستعجلة، دون تخطيط وبحث وتدرج في التطبيق.. بل يجب تجربتها على مستوى ضيق.. وتقييم التجربة ليصار إلى تقويمها.. قبل تعميمها بشكل رسمي.

لا يحتاج الناس، فوق معاناتهم من السياسة الاقتصادية التي أفرزت فقراً وعوزاً لكل ضرورات الحياة الكريمة، همّاً آخر وإرباكاً إضافياً يخص مستقبل أبنائهم التعليمي في مرحلة مفصلية.. وهي الشهادة الثانوية.

(*)- صدر مؤخراً قرار بتأجيل تطبيق هذه الأتمتة إلى العام القادم.

 

العدد 1096 - 21/2/2024