بدء الانهيار والعدّ التنازلي للقارة الأوربية العجوز

المهندس نزار طرابلسي / التشيك – براغ:

سؤال هام يطرح بشكل واسع اليوم على كل المستويات، والقلق يتزايد في الساحات الأوربية التي بدأت فيها الاحتجاجات، والتي تستعد تدريجياً للتضامن مع بقية الساحات الأوربية المشتعلة للتعبير عن رأيها، وعن الاستياء مما تعيشه أيضاً طبقاتها الشعبية والعادية التي تضررت مصالحها الأساسية، بالتزامن مع صعود الحكومات اليمينية والرأسمالية المتطرفة مع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتصاعد المواقف الأوربية المعادية لروسيا وللشعب الروسي، والذي كان من نتائجه فرض عقوبات اقتصادية جارحة على روسيا، انعكست مباشرة وسلباً على اقتصاد الدول الأوربية، وما نراه اليوم من احتجاجات ما هي إلّا من نتائج السياسات الخاطئة والمدمرة للاتحاد الأوربي، وتبعيته للإملاءات الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية وبشكل متصاعد ولأول مرة بهذا الشكل منذ عقود.

لقد كانت الشرارة الأولى لتسارع هذا الاستياء الشعبي ارتفاع أسعار الطاقة في الدول الأوربية من كهرباء وغاز ونفط، بسبب الانصياع لأوامر الإدارة الأمريكية والبريطانية بالتوقف عن تلقّي إمدادات الطاقة والوقود من روسيا، والاستعاضة عنها من مصادر أخرى دون تأمين هذه المصادر مسبقاً. وهذا ما أدّى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة من المصادر الغربية البديلة والتي لا يمكن مقارنتها بالأسعار الروسية الرخيصة والتي كانت تقدر بربع الأسعار الحالية البديلة. لأن روسيا كانت تزود أوربا بالطاقة بأسعار خاصة وتشجيعية. ولكن كان الهدف سياسياً بامتياز أننا استغنينا عن الغاز والطاقة والكهرباء من روسيا دون النظر إلى النتائج السلبية على المواطن الأوربي، ولعبت دوراً كبيراً الاحتكارات الرأسمالية الغربية والأمريكية التي حققت أرباحاً جنونية لم تحلم بتحقيقها خلال عقود مضت. إضافةً إلى الأرباح التي جنتها شركات الأسلحة التي ساعدت على إطالة مدة الحرب الروسية الأوكرانية، وعرقلة مسيرة السلام المتعددة لوقف الحرب، والهجرة المتزايدة من أوكرانيا إلى أوربا بتشجيع ودعم وتحريض من الحكومات اليمينية المتطرفة. والمساعدات والإغراءات التي قُدّمت للأوكرانيين في أوربا حتى وصل إلى حدّ أن المواطن الأوكراني أصبح وضعه المعيشي في أوربا أحسن وأفضل من المواطن الأوربي نفسه، وعلى حساب هذا المواطن الأوربي البريء الذي كان ولايزال ضد هذه الحرب القذرة والهادفة إلى تدمير أوكرانيا بالكامل وتدمير الاقتصاد الأوربي، حتى إنه يجب الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية ألزمت الاتحاد الأوربي بتحمّل أعباء الحرب ضد روسيا وورّطتهم بإجبارهم على اتخاذ خطوات عسكرية واقتصادية وسياسية ضد مصلحة شعوبهم.

نتيجة هذه الضغوط والأزمات الاقتصادية والأعباء المعيشية اليومية وارتفاع أسعار المواد التموينية والأساسية، إضافة إلى الارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة والوقود والنفط بسبب السياسات الخاطئة والمدمرة للاقتصاد الأوربي، نُظّمت مظاهرات متعددة ومتقطعة في غالبية الدول الأوربية استنكاراً للوضع الاقتصادي المزري وللمطالبة بوقف الدعم العسكري والمالي للمافيات الأوكرانية المتمثلة بزيلينسكي وحكومته الفاشية، الذي كان يقتطع من أموال الشعب ودافعي الضرائب، والمؤشر باستياء الوضع المعيشي وتسارعه نحو الأسوأ، مع توجيه إنذارات متعددة إلى هذه الحكومات بكل الوسائل المتاحة والمظاهرات والاحتجاجات والإضراب المفتوح، لكن هذه الحكومات ضربت بذلك عرض الحائط ولم تهتم للاستياء الشعبي المتصاعد، حتى وصل بهم الأمر إلى ما كان بالحسبان: إضرابات مفتوحة وعلى كل الصعد بدأتها الشريحة الأكثر تضرراً شريحة المزارعين، وتدريجياً ظهر تضامن باقي فعاليات المجتمع، من وقف وسائل النقل، إلى إضراب المعلمين وإيقاف المطارات وإلغاء مئات الرحلات، وإشعال الإطارات في الشوارع الرئيسية، وإغلاق الشوارع المؤدية لساحة العاصمة بالتراكتورات الزراعية، وإغلاق الأوتسترادات وشلّ الحركة في البلاد بشكل كامل حتى تحقيق المطالب الرئيسية من وقف الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، وتخفيض أسعار الطاقة والغاز والنفط، إلى منع استيراد المنتوجات الزراعية الأوكرانية إلى أوربا ومنافستها للإنتاج الزراعي المحلي، وتحسين معيشة المواطن بتخفيف الضرائب التي فرضت في الآونة الاخيرة، وتخفيض أسعار المواد الغذائية.

وقد بدأت المظاهرات في العاصمة الألمانية برلين وامتدت إلى باقي المدن، بعد أيام تبعتها باريس والمدن الفرنسية، وامتدت إلى بلجيكا وحوصر مبنى الاتحاد الأوربي في بروكسل أثناء اجتماع قمة الاتحاد الأوربي لإقرار دعم لأوكرانيا مقداره 50 مليار يورو بعد أن رفض الكونغرس الأمريكي استمرار الدعم لأوكرانيا. وفي الأسبوع المقبل ستبدأ في البرتغال والتشيك …والحبل عالجرار. كل هذه المؤشرات تؤدي إلى استنتاج واحد وهو البدء بانهيار القارة الأوربية العجوز، بسبب السياسات التابعة التي انتهجتها حكومات اليمين المتطرف، التي ساهمت في دمار اقتصادات دولها بسبب ارتباطها بالاحتكارات الرأسمالية الأمريكية وتنفيذ أجندتها ومصالحها، وضربها عرض الحائط بمصالح شعوبها ودولها، والدخول في أحلاف وحروب لا مصلحة فيها لأوربا وشعوبها، إضافة إلى دعم وتأييد المظاهر النازية والفاشية منذ عقود ومنذ انهيار النظام السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، ونشر الدعاية المعادية لروسيا وشعوبها حتى توقيف وإلغاء الفعاليات الثقافية والفية والرياضية الروسية في أوربا ونشر فوبيا ضد روسيا وشعبها.

النتائج والتوقعات ستكون حتماً إلى تراجع الحكومات الأوربية عن بعض القرارات الهامة للمواطن وإجبارها على وضع برنامج لتخفيف الأعباء المالية اليومية، وخفض الضرائب، ورفع الأجور للعاملين والموظفين، والحد من أرباح الاحتكارات الرسمالية بسرقة أموال الشعب، والحد من الدعم والتسليح لأوكرانيا، والدخول في مشروع سلمي لوقف الحرب والقضاء على النازية والفاشية، وتحقيق السلام والأمن والاستقرار للشعوب الأوربية قبل الانزلاق إلى الانهيار، وهذا ما تخطط وترسم له أمريكا. لأن الشارع قال كلمته ومستمرون في التصعيد، وستنضمّ تباعاً باقي الدول الأوربية إلى مسيرة الاصلاح.

وكما يقال: أُعذر من أنذر، ولا يصح إلّا الصحيح، وستنتصر في النهاية إرادة الشعوب.

العدد 1096 - 21/2/2024