سبيل للعيش من قلب مكب

وعد حسون نصر:

طريقة جديدة لكسب الرزق، وظاهرة قديمة جديدة لكنها اجتاحت البلاد وباتت تجارة يملكها أسياد (النبش في القمامة)، عمّالها متفاوتو الأعمار من أطفال صغار، إلى نساء كهلات وفتيات في مقتبل العمر، وحتى مسنّين كبار يبحثون عن كسرة خبز أو حبّة دواء. واللافت في الأمر أن هذه الظاهرة تنتشر في مناطق يرأسها (فلان) ويعمل تحت إمرته مجموعة من الفتيان والفتيات ويتصرف شخص ما بما جمعوه، هو في الظاهر ليس له أية علاقة بكل هذه الأعمال، لأنه قد يكون رجل أعمال أو تاجراً صاحب نفوذ، لكن من خلف الستار هو صاحب القرار والمستشار!

سابقاً كُنّا نرى هذه المهنة محصورة بفئة معينة وبأعداد قليلة، فكُنّا نحاول وضع الأشياء الجيدة في كيس نظيف ونضعها إلى جانب حاوية القمامة كي لا تتسخ، ليستفيد منها هؤلاء الأشخاص. فجأة تحولت هذه الظاهرة إلى مهنة يمارسونها في معظم المناطق، ولم تعُد تقتصر على جمع قطع البلاستيك أو عبوات الزجاج أو الخبز اليابس، بل باتت تشمل كلّ شيء: أوراق، أكياس، عبوات التنك، أسلاك الكهرباء الفاسدة، وحتى قطع القماش وأعواد الخشب التي تظن أنها لا تصلح للموقد، وكأن كل شيء في هذا المكب هو عبارة عن قطعة نفيسة لها سعرها في سوق النفايات، لكن يبقى البلاستيك هو الأهمّ، فهو سيد النفايات والأغلى ثمناً في سوق النبش.

لم يتوقف الأمر عند جمع القمامة، وإنما باتت هذه المهنة مساحة لترويج الممنوعات، وخاصة بين جيل المراهقين أيضاً لتمرير صفقات للسرقة، من خلال استغلال عاطفة الناس وخاصة مع الأطفال، فالكثير من الأطفال يتردّد على بعض المنازل لأخذ القمامة أو بعض الأشياء، وهنا يصبح على معرفة تامة بمواعيد سكان المنزل متى يكونون فيه، ومتى يخرجون، وكثيراً ما تحصل السرقة بفعل هؤلاء النبّاشين ومن هم خلفهم، فلم تعد هذه المهنة مصدر رزق للفقير فقط، بل باتت تُشكّل بؤرة خطر يجتاح المجتمع من خلال استغلال جيل كامل يسرح خارج مقاعد المدرسة متسكّعاً في الطرقات وبين حاويات القمامة!

إن في هذه الظاهرة استغلالاً للطفولة وحق الحياة لهذا الطفل داخل أسرة وضمن جدران منزل آمن بملابس نظيفة وطعام نوعاً ما صحي، على اعتبار ما سيُصادفه العاملون في هذه المهنة من تلوث بيئي وبصري، وبالتالي انتشار الأمراض خاصة بين هؤلاء الفتيان والفتيات الذين يتعرّضون يومياً لنظرات الاشمئزاز الواضحة في عيون غالبية الناس، وهذا ما يُعزّز الشرخ القائم أساساً بين طبقات المجتمع بسبب التفاوت الطبقي الحاصل اليوم في المجتمع، لاسيما نحو هؤلاء النباشين، لدرجة أن البعض بات يرى فيهم أحد مظاهر تشويه البلد، والغريب في الأمر هو صمت المعنيين عن هذه الظاهرة وتعصيب عيونهم عن رؤية جيل كامل غدا وسط الحاوية لا وسط جدران المنازل أو على مقاعد الدراسة!! فأين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل؟ أين المنظمات الإنسانية المعنية بشؤون الطفولة؟! لمَ لا تحتضن هؤلاء المُهمّشين فتلملم ما بقي لديهم من أمنيات تحوّلها لواقع ينتشلهم من قاع بؤسهم، فترمي بين أيديهم أقلام تلوين يرسمون فيها أحلامهم ويكتبون أمنياتهم ورغباتهم وطموحاتهم؟ أين القانون الذي يعاقب آباءهم بسبب تسرّبهم من المدارس ورميهم وسط مكبٍّ يجمع كل قمامة الحياة، وجعلهم لقمة سائغة في فم وحش المال؟

من قال لكم إنهم لا يحملون مشاعر ولا يملكون حسّاً؟ هؤلاء عبارة عن كتلة حقد غرستموها بينكم بأيديكم وبنظراتكم المُقززة لهم وتهميشهم، لأنهم عندما تشتدُّ سواعدهم سوف يقلبون المكب على رؤوس الجميع ونغرق كلنا بوساخة أفكارنا وقمامة فسادنا!! لذا، سارعوا وأنقذوا ما تبقى من مجتمع غدا المكبُّ فيه أكبر من المُجمّع التعليمي، مثلما أضحت الحاوية جامعة تُخرّج كل يوم عشرات الحاقدين عليكم!

العدد 1096 - 21/2/2024