أمة على فوهة بركان

وعد حسون نصر:

تغلي، تستشيط، تقذف حمم باطنها ناراً، وتعود للركود قليلاً ريثما يتشكّل في داخلها غلّها، فترميه حقداً على أضعف البلدان.

منذ عصور ومنطقتنا تعجُّ بالأحداث والصراعات والنزاعات، منطقة تشكّلت حدودها ورسمتها على مدى التاريخ، وقد عانت بلادنا من استبداد واستعمار واحتلال ونزاعات حدودية وحروب على مرِّ التاريخ، وما يجري الآن على العديد من الدول العربية، مثل اليمن والعراق وفلسطين وجنوب لبنان وسورية، يختصر تاريخاً طويلاً من معاناة شعوب هذه الدول. فالصراع السياسي خلّف مجازر ومجاعات وتشرّد وتهجير إضافة إلى الجهل، فهناك أجيال كاملة خارج مقاعد الدراسة تتسكع في الطرقات وفي أصقاع العالم كلاجئين، جيل مدمن مع انتشار المخدرات التي باتت اليوم سلعة العصر! كما نجد سوق نخاسة واسعة للاتجار البشري بكل أنواعه من تسليع للنساء وجعلهن وسيلة للمتعة في الملاهي الليلة وعلى طاولات المقامرة، كذلك تدمير الطفولة واستغلال الأطفال جسدياً وجنسياً وجعلهم قطع تبديل لأعضاء الأثرياء!! أيضاً طمس ذاكرة المُسنّ ليعشش البؤس فيها، فترى بعضهم يفترش الطرقات بلا مأوى ويسأل المارة ثمن لقمة خبز أو حبة دواء، بالتالي نجد أنفسنا بسبب نزاع سياسي لا ذنب لنا فيه إلاّ أننا أبناء هذه المنطقة المُحاصرين اقتصادياً وثقافياً ونفسياً وفكرياً، نواصل النهار بالليل من عمل إلى عمل، في محاولات مُضنية ليتناسب الدخل مع المصروف من أجل أن تتناسب ثمن السلعة مع جهد العمل. ورغم هذا، نترجم الهزيمة انتصاراً كمن يوهم نفسه أنه يأكل شهد العسل ولكنه يغرف بقطعة خبز يابسة بماء مغلي بالسكر! بحجّة الحصار المزعوم بات دواء المُسنِّ حلماً، وبدل حبة الضغط قطعة مخلّل، وبدل حبة السكري رشفة علقم، وبدل حبة الأعصاب وخزة دبوس، وبدل حبة القلب فنجان يانسون وعرق أخضر من المليسة.. تهاوت الإنسانية وضاع مفهومها حتى بين ملائكة الرحمة وتحوّل الطب والعلاج إلى سوق سوداء، والمبرر واقع الحصار، ورفع سعر الدواء.

الصراعات في المنطقة العربية وخاصة في دول الجوار أو ما يُسمّى ببلاد الشام جعلنا دولة مُستباحة، خاصة أننا ما نزال نُرمّم جراح نزاعات الداخل وحربنا من الخارج، سماؤنا باتت ملفى الجوارح مفتوحة لإزهاق أرواح الأبرياء، وبرّنا لتهريب الممنوعات، وتصدير قوتنا لدول الأمراء، خيرات بحرنا ذهبت للحليف كنوع من الوفاء تحت مُسمّى ردِّ المعروف لوقفة صمود من الحلفاء! هكذا صارت أرضنا مشاعاً ومازلنا نطالب بالبقاء، لدرجة أننا أصبحنا دروعاً بشرية تزهق، مع كلّ مقاوم خفيّ، عشرات الأرواح لأبرياء صارت على البيعة عربون محبة لنضال الأصدقاء!!

حالنا لا يسرّ، لم نعد نريد الحروب، فنحن نحتاج السلام ليعيش أبناؤنا بسلام، لم نعد نريد المزيد من الأكفان، نريد بدلات أعراس نزفُّ بها الشباب بدل الأكفان، نريد العِلم واللون الأخضر والغار وشقائق النعمان، نريد الخبز المُغمّس بالحب لا بالشقاء والتعب، نريد لمّة العائلة صباح العطلة على صحن الفول الدمشقي، وفي الأعياد على معمول الجوز وشرائح قمر الدين وعصير الورد والتوت والرمان، لا نريد أن تُزهق أرواحنا وأرواح أحبّتنا، بل نريد أن نحيا بسلام فقط من أجل السلام. فهل هذا كثير علينا؟!

العدد 1096 - 21/2/2024