ما زال السوريون يُرحّلون آلامهم من قيود عام مضى إلى آخر جديد

إيمان أحمد ونوس:

سنوات تمضي وتتوالى وما زال السوريون يُرحّلون آلامهم وقهرهم وأنينهم من قيود عام مضى إلى آخر جديد يأملون فيه الخلاص.. ولا خلاص!!!

وكلما رحل عامٌ وحلَّ آخر جديد، تزداد معاناتهم وتتجدّد أزماتهم المتوالدة من رحم الفساد والإهمال والحصار والعقوبات التي لم يدفع فاتورتها ولا ضرائبها سوى فقرائهم الذين يتزايدون يوماً بعد آخر ليصبحوا الغالبية العظمى غير الفاعلة أو المؤثّرة، بل المُهمّشة والمنسية، في عكس فاضح لمفهوم الديمقراطية عن الأغلبية والأقليّة، فتتأرجح أيامهم وسنوات عذاباتهم على وقع أنغام وموسيقا معزوفات باتت خاوية من كل معنى سوى المزيد من المآسي والآلام والأحزان التي تعاظمت وتفاقمت حتى بدت كالطود الشامخ في وجه الحياة والأمل في النجاة من أمواج عواصف حرب لقمة العيش العاتية وتجّارها وسماسرتها الذين اغتالوا واستباحوا في جشعهم حتى كسرة الخبز المتبقية والمُغمّسة أصلاً بالقهر والذلِّ والهوان الذي ما عرفوه يوماً.

فقد ابتُلي السوريون بما لم تُبتلَ به أيٌّ من الشعوب التي عاشت ويلات الحروب عبر تاريخ البشرية، فبلاؤهم شاركت فيه وتقاسمته المصالح الدولية بأطماعها ومخططاتها التي لم تنتهِ بعد من توزيع وتقاسم الغنائم، وهذا ما يُعيق ويُعرقل الوصول إلى حلٍّ سياسي يُنهي عذاب السوريين، كما عزّزت هذا البلاء ورفعت منسوبه سنةً بعد أخرى حكوماتٌ لم ترتقِ يوماً لتكون حكومات أزمة وحرب، بل كانت حكومات خلقت وعمّقت العديد من الأزمات المعيشية التي وصلت إلى مستويات قياسية لم يعشها السوريون حتى في أعتى وأفظع سنوات الحرب وصلت إلى حدود تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء، فيما يخص حقوقهم واحتياجاتهم الأساسية والبسيطة من الخبز والماء والدفء والنور والدواء، تحت ذرائع شتّى، احتياجات باتت في ظلّ هذه الحكومات سلعاً متوفرة بكثرة في سوق العرض والطلب لمن يدفع أكثر، ولمن يلبي الطلب من تجّار وسماسرة وأصحاب سطوة ونفوذ من المُتحكّمين برقاب العباد وثروات البلاد وسط أضواء خضراء يزداد سطوعها علانية يوماً بعد آخر، في خروج سافر عمّا نصّ عليه الدستور وشرّعته القوانين الداعية لعدم التلاعب بقوت الناس وحقوقهم، خروج فاحش وصل إلى حدود اللامعقول حتى أصبحت الدولة بكل ما فيها وما تعنيه مزرعةً يتحكّم بها وبمن يعيش في كنفها ثلّةٌ من نخبة التجّار والفاسدين وأثرياء الحرب الجدد.

على ضربات هذا الواقع المرير يدخل السوريون عاماً جديداً ينشدون فيه النهوض ولو قليلاً من قاع مأساتهم علّهم يعيشون ما تبقى لهم على أجندة الحياة بقليل من إنسانية افتقدوها وكرامة اغتالتها الأطماع والفساد والنهب!!

غير أن قاعدة فلسفية تقول المُقدِّمات الإيجابية تعطي نتائج إيجابية والعكس صحيح، فإننا نرى أن مُقدِّمات حكوماتنا من جهة والمصالح الدولية من جهة أخرى حتى اللحظة لم تكن إيجابية، فلا مؤشّرات دولية تمنحنا فرصة الاستبشار بعام يصل فيه السوريون إلى حلّ سياسي ينهي عذاباتهم وتشظيهم المقيت المُعرقل لكل حلٍّ وأمل، ولا مؤشّرات محلية تَخفّ من خلالها حدّة أزماتنا الخانقة، فتجعلنا كائنات أقرب إلى البشر ممّا نحن عليه اليوم… فهل للعام الجديد أن يكون أفضل من سابقيه من أعوام الجمر والموت العبثي والقهر المقيم؟؟

كل المؤشّرات والمُعطيات والأخبار المتواردة لا تشي بالخير، في ظلِّ ارتفاع أسعار السلع المعيشية ما يُقارب سبعين بالمئة منذ بداية العام الحالي الذي ما زلنا في نهاية الشهر الأول منه، فكيف ستكون النتائج على مدار عامٍ كامل!؟

لقد نضُب الكلام والأفكار مثلما نضُبت أيامنا، على وقع أنغام العجز والقهر والجوع، لم نعد نجد المفردات التي يمكن أن تصف ما نعيشه اليوم، والأفكار التي قد يكون في بعضها بشائر أملٍ ولو شحيح في إيجاد منفذٍ للخلاص والنهوض، بشائر أملٍ باتت هي الأخرى في موت سريري لا نعرف نهايته.. فهل من معجزة تظهر يوماً ما لتُعيد لنا أملاً واهياً حتى!؟

العدد 1096 - 21/2/2024