اتساع الرفاهية وتعقّدها.. وآثارها على الشباب والمجتمع

د. عبادة دعدوش:

على مدار العصور كان الإنسان يحصد قوت يومه بما يقوم به من أعمال مهاراتية أو تجارية أو مهنية.. الخ، وكانت الرفاهية تتحقّق عندما يوفّق الشخص بفرصة عمل تتناسب وميوله أو احتياجاته، فبذلك يستطيع تحقيق الرفاهية التي كانت في زمن ليس ببعيد بعضاً من الفاكهة ومروحة من الريش ولباساً من الحرير واقتناء بعض الحلي للزينة، في حين باتت هذه المظاهر التي كانت تدل على الرفاهية في عصر من العصور هي من أبسط الأمور التي يمتلكها أي شخص في زماننا هذا، فالتطور التكنلوجي ساهم في اتساع أشكال وأنواع الرفاهية، فاصبح ما كان للملوك من رفاهية وأدوات أو وسائل الراحة بإمكان أي شخص أن يمتلكها اليوم وببساطة من خلال التكنلوجيا.

فما هي الرفاهية التي نتكلّم عنها؟

يختلف مفهوم الرفاهية من شخص إلى آخر، فالبعض يُصنّفها على أنها نوع من أنواع الراحة، والبعض الآخر يُصنّفها على أنها امتلاك أدوات وأساليب تُحقّق السعادة، ولكن هناك البعض الذي يرى أنها دليل الرفاه والثراء.

لكن في الحقيقية أن الرفاهية كما ذكرت من قبل قد تغيّرت كثيراً اليوم عمّا كانت عليه، فاليوم أصبحت الرفاهية بشكلها الراهن مستنقعاً كبيراً لا ينتهي ولا حدود له، ولطالما شبّهتها بالثقب الأسود، وذلك لخطورة تأثيرها وآثارها على الفرد والمجتمع، فاليوم تقوم الشركات التجارية والدول العملاقة بابتكار وسائل رفاهية من أجل إشباع رغبات الناس بشكل مبالغ فيه لتحصد أعلى الأرباح المادية، كما تعمل على تسريع عمليات الدوران المستمر لرأس المال. غير أن المشكلة الحقيقبة تكمن في ماهية آثار هذا الاتساع في أنواع وكمية الرفاهية التي تتمثّل في العديد من الآثار المباشرة وغير المباشرة على كل الأصعدة الاقتصادية والنفسية والبيئية، إضافة إلى العديد من الأصعدة الأخرى التي يمكن أن نذكر بعضاً منها:

_ عدم القناعة والشعور بالنقص، فأغلب الأشخاص وخاصة فئة الشباب الذين يشعرون بحالة من النقص خصوصاً إن كان وضعهم المعيشي والمادي صعباً جداً في ظلِّ دخل محدود لا يكفي لعدّة أيام، فهم أساساً لا يستطيعون تأمين قوت يوميهم حتى يحصلوا على الرفاهية المنشودة باهظة الثمن والتي ترتفع كل يوم باتساع خياراتها وأدواتها.

 

_ الراحة المُفرطة التي ينشدها الكثيرون واستسهال الحصول على العوائد من خلال برامج إعلانية خلّابة وخلّبية بآنٍ معاً، فتحوّلت المجتمعات من مجتمعات إنتاجية إلى مجتمعات استهلاكية، وذلك بعد أن أصبحت أغلب الأعمال رقمية، أو من خلال الأدوات الذكية أو الكهربائية!

_ انقسام المجتمعات وظهور التمييز الواضح حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. فكثيراً ما نلاحظ أخوين مختلفي الأحوال المادية وسبل الرفاهية والعيش، ممّا يجعل عائلتيهما تشعران وتعيشان بفرق واضح، حتى أن طرق المعاملة مختلفة بينهما.

_ سيطرة الرفاهية على عقول وقلوب الناس وأحلامهم ممّا جعل الكثير من الأشخاص وخصوصاً فئة الشباب يسعون باتجاه الكسب السريع للمال من أجل الحصول على الرفاهية، وكثيرون منهم أصبحوا يهربون من الحياة الواقعية ومن الأعمال الوظيفية المعهودة لأنها لا تلبي آمالهم ولا تشبع رغباتهم.

لا شكّ أن هناك العديد من الآثار الأخرى التي بدأت بتدمير الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي للأفراد والمجتمع، والمشكلة الأكبر تكمن في أنك مهما كنت تمتلك فلن تستطيع أن تحصل على الرفاهية لأنها في كل لحظة تتطور وتتسع وتتجدّد.

العدد 1096 - 21/2/2024