شتاء قاسٍ آخر

حسين خليفة:

أستعير العنوان من أديبنا الكبير الراحل سعيد حورانية ونحن في أواسط الشتاء السوري الذي يداهم السوريين، وغالبيتهم العظمى محرومون من أيّ وسيلة تدفئة، فالعائلات القليلة التي حظيت بوصول رسالة الخمسين لتراً المدعومة من المازوت لا تكفيها هذه (المكرمة) لأسبوعين إذا كانت تقيم في المناطق المعتدلة، فضلاً عن المناطق الجبلية الكثيرة في بلادنا المعروفة بقسوة شتائها، والكثيرون منهم لا يملكون ثمن هذا المازوت المدعوم أيضاً (100 ألف ليرة) فيسارعون إلى بيع مخصصاتهم لأقرب راغب في شرائها، ليشتروا بثمنها ما يؤمّن لهم بعض احتياجاتهم الأهم، الأهم من الدفء في أيام الشتاء الباردة!

الشتاء القاسي لم يأتِ بعد، إذ لم يُكشّر عن أنيابه الباردة حتى الآن، وإنما اكتفى بالقليل من برده تاركاً الأقسى لشهري شباط وآذار كما تدل السنوات الأخيرة، إذ ينزاح البرد رويداً إلى هذين الشهرين، وغالباً ما يهطل الثلج فيهما، في تعبير واضح عن التغيّرات المناخية التي تعصف بالأرض نتيجة ظاهرة الدفيئة والاعتداء الجائر على موارد الأرض والطبيعة من قبل الأنظمة الحاكمة.

ليس للسوري من إله يحمل له جمرة الدفء، كما فعل بروميثيوس مع شعبه، ليس له راعٍ يُحِسُّ بمعاناته ويحاول تأمين الدفء للسوري الجائع المُحبط ولعائلته، وعلى سيرة بروميثيوس الذي يعرف أسطورته معظم السادة القراء سأسمح لنفسي بتلخيص حكايته لعلّها تبعث بعض الدفء في أوصال القارئ المحتمي بـبطانيات المعونة التي يكاد لا يخلو منها بيت سوري.

في الأسطورة اليونانية أن الإله بروميثيوس الذي كان يحب البشر الذين خلقهم، ويريد لهم الخير، على عكس كبير آلهة الأولمب زيوس الذي كان يريدهم أن يبقوا خانعين خاضعين لجبروته، وألا يخلدوا إلى الراحة يوماً فيفكروا بالانقلاب على عرشه.

لاحظ بروميثيوس مع قدوم فصل الشتاء بإرادة زيوس أن الناس يرتجفون برداً وليس هناك ما يدفئهم، ولاحظ أن زيوس خلق للحيوانات جلوداً سميكة وشعراً كثيفاً يقيها برد الشتاء، لكن البشر يرتجفون برداً ولا يمكنهم مزاحمة الوحوش اللائذة بالكهوف. فـأراد بروميثيوس نقل الناس إلى جبل الأولمب الذي لا يعرف فصل الشتاء، لكن الإله زيوس منع دخول المخلوقات البشرية إلى مملكته.

فقرر بروميثوس إيجاد طريقة لإيصال النار إلى الناس مهما كلفه الأمر، فتسلّل ليلاً من جبل الأولمب في غفلة عن الإله زيوس حتى وصل إلى الأرض، وصار يبحث عن كهف عميق على الشاطئ، ثم نزل منه عميقاً بين الصخور والمغاور الحجرية حتى لمح شرارة من النار في آخر الدهليز المظلم، فبدأ يدقُّ البوابة الضخمة لفوهة البركان بقوة، ثم دفعها مفاجئاً البركان بقدومه. حاول إقناع البركان بأن يساعده في إيصال النار إلى الناس الذين يرتجفون برداً، لكن البركان اعتذر وطلب إذن زيوس قبل أن يمنحه النار، وتابع عمله في صناعة الصواعق السماوية، ممّا أتاح لبروميثيوس أن يُضرم شعلة في غفلة من البركان وهرب بها بين الصخور، وما إن لمحه الناس حاملاً شعلة الدفء بين يديه حتى التفّوا حوله، فقدّم لهم النار وعلّمهم كيف يحافظون عليها بتقديم أغصان الشجر حتى تبقى متوقّدة وسط عبارات الامتنان من الناس لصديقهم المخلص بروميثيوس حامل شعلة الحياة.

عندما علم زيوس بالخبر غضب على بروميثوس، لأنه أخرج النار التي أقفل عليها في باطن الأرض ومنحها للناس، فربط بروميثيوس بسلاسل الحديد الثقيلة على صخرة بعيدة وتركه طعاماً للنسور.

وبينما كان النسر يقترب من بروميثيوس المُقيّد لانتزاع أحشائه، صادف مرور هيركوليس، رمز القوة والصلابة، قريباً من الصخرة التي قُيِّد إليها بروميثوس، فلم يتحمّل هذه القسوة في تعذيب بروميثيوس، وأطلق سهمه الكبير على قلب النسر، ثم حطّم بذراعيه القويتين سلاسل القيود، وعاد بروميثيوس إلى الأولمب، فيما بقي الناس يتذكرونه ويحتفلون بحسن صنيعه كل عام في المدن الإغريقية، حيث يتناقل الشباب الأقوياء والسريعون جذوة مشتعلة بأيديهم العارية، ويركضون بها في سباقات مُعبّرة عن بطولة بروميثيوس وتفانيه من أجل الناس.

لم يمنّ الرب علينا نحن السوريين حتى الآن ببروميثيوس يبعث في الناس أملاً ويحمل لهم شعلة لا تكتفي بمنحهم الدفء في شتائهم القاسي والطويل، بل تمنحهم حلمهم المستمر بوطن حرٍّ موحد ديمقراطي مُعافى من كل شرور الفقر والاستبداد والقمع والفساد.

أين أنت يا بروميثيوس السوري؟!

 

 

العدد 1096 - 21/2/2024