المرأة السورية في الحرب ضحية عنف مزدوج

حسين خليفة:

أرقام صادمة نعيدها كل عام في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، وهو اليوم العالمي لمناهضة العنف ضدّ المرأة، أرقام على مستوى العالم، صادمة لكل من لديه حسّ إنساني وإيمان بالمساواة والعدالة، أرقام تكفي لتقضَّ مضاجع الضباع.

  • في كل ساعة هناك خمس نساء يتعرّضن للقتل على يد أحد أفراد الأسرة أو العشيرة، بحجج واهية وغير حقيقية غالباً.
  • واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض (أو تعرضت) للعنف الجنسي أو الجسدي مرة واحدة على الأقل في حياتها.
  • 86% من النساء والفتيات يعشن في بلاد ليس فيها قوانين لحمايتهن من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

هذه الإحصاءات هي رأس جبل الجليد الذي رصدته المنظمات الحقوقية والإنسانية، أو الذي تمكّنت من رصده حيث تُدفن آلاف القصص والحكايات عن الظلم والعنف والاغتصاب مع ضحاياها دون أن تستطيع الخروج إلى الضوء خوفاً من انتقام الجناة أو جهلاً من قبل الضحايا لطرق إيصال أصواتهن إلى من ينبغي إيصالها إليه، أو خوفاً من الفضائح والتشهير في بيئة اجتماعية تُحمِّل الأنثى أوزار الجميع.

العنف الموجّه للنساء هو أحد أكثر أشكال انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً وله آثار تدميرية على المرأة والمجتمع، ورغم هذا ما زال مسكوتاً عنه إلى حدٍّ كبير وضائعاً في غياهب التجاهل والنسيان بسبب ظواهر الإفلات من العقاب والصمت والاتهام بالعار.

يتمظهر العنف بشكل عام بأشكال جسدية أو جنسية أو نفسية، ويتضمن:

  • عنف الشريك (الضرب، والإساءة النفسية، والاغتصاب الزوجي، وقتل النساء).
  • العنف والتحرّش الجنسي (الاغتصاب، الممارسات الجنسية القسرية، التحرّش الجنسي، الاعتداءات الجنسية على الطفلات، الزواج بالإكراه، التحرّش في الأماكن العامة، التحرّش الإلكتروني…).
  • الاتجار بالبشر (العبودية والاستغلال الجنسي).
  • الأفعال التي تؤدي إلى تشويه الأعضاء التناسلية للإناث مثل الختان.
  • زواج الصغيرات.

يُعرّف العنف ضد المرأة حسب الإعلان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 في (إعلان القضاء على العنف ضد المرأة) بأنه: (أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عنه أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، وبضمن ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة).

مظاهر العنف ضدَّ المرأة تؤثر سلباً على صحتها النفسية والجسدية والإنجابية، إذ يؤدي حرمان المرأة من التعليم مثلاً إلى حرمان النساء من إكمال تعليمهن وبالتالي تنخفض، وتكاد تنعدم، فرص عثورهن على عمل لاحقاً، وبالتالي فإن حرمان المرأة من التعليم ليس فقط اعتداء على حق أساسي من حقوق الإنسان (الحق في التعليم) بل هو حرمان لها في المستقبل أيضاً.

وكذا الزواج المبكر أو الاتجار بالنساء أو غيرها من الممارسات العنفية، فهي كلها تتداخل معاً في تأثيراتها السلبية والمدمرة على حياة المرأة.

ويزداد احتمال تعرض النساء للعنف القائم على الجنس لدى النساء من فئات محددة مثل النساء المُسنّات، أو النساء المثليات أو اللاتي لديهن ازدواجية في الميول الجنسية، والنساء اللاجئات، والمنتميات إلى السكان الأصليين في المناطق التي تتعرض للاحتلال الاستيطاني مثل نساء الهنود الحمر في أمريكا إبان الغزو الأوربي، أو المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي، والأقليات، والمصابات بإعاقات أو أمراض مزمنة.

في عصرنا الحالي برزت الى السطح حالات العنف المنفلت من عقاله ضدَّ النساء اللاتي تأثرن بالأزمات الإنسانية (كوارث، أوبئة، حروب) واللاتي اضطررن إلى النزوح والهجرة مع عائلاتهن أو وحيدات بعد فقدان العائلة.

وتشكل نساء سورية نموذجاً مؤلماً لهذه الحالات، فخلال سنوات الكارثة السورية المستمرة سجلت إحصاءات المنظمات الإنسانية أرقاماً مرعبة عن حالات العنف الأعمى ضدَّ النساء السوريات من جميع الأطراف المشاركة في المقتلة السورية بنسب متفاوتة، وهي لم تسجل إلاَّ ما استطاعت الوصول إليه والتأكّد منه من ضمن مئات الألوف من الحالات التي لم يُشِرْ إليها أحد لأنها بقيت طيّ الكتمان لا يعلم بها الاَّ الجاني والمجني عليها.

فقد أجمعت المنظمات الحقوقية وشبكات حقوق الإنسان في تقاريرها أن /28926/ امرأة قتلن في سورية خلال الفترة الممتدة من عام 2011 حتى تاريخه، وهو في الحقيقة رقم ضحل إذا ما قورن بفظاعة الحروب والمجازر التي شهدتها سورية خلال العقد الأخير، وبيّنت الإحصاءات الموثّقة بأن 117 من هؤلاء الضحايا متن تحت التعذيب في المعتقلات (هذا الرقم بالتحديد أقل بكثير من الحقيقة التي لا شهود عليها)، بينما ما زالت 11203 إناث معتقلات ولا يعلم أحد عن مصيرهن شيئاً، ووثّقت هذه التقارير 11541 حالة عنف جنسي استهدفت الإناث خلال هذه الفترة وكان الفاعلون في معظمهم ممّن شاركوا في التنكيل بالمدنيين وتدمير المدن والقرى والمشافي والمنشات الحيوية.

وتنوعت الانتهاكات التي تعرضت لها النساء السوريات بين القتل والاعتقال والخطف والتعذيب وتجنيد الصغيرات والعنف الجنسي وتدمير المشافي ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

كما تضمنت هذه الانتهاكات أيضاً الإجراءات القضائية والأمنية المتبعة في قوانين الملكية وتثبيت الوفاة وعمليات التشهير والترهيب ضدَّ النساء الناشطات اجتماعياً أو سياسياً خلال سنوات الصراع الدموي. وشاعت عمليات اعتقال النساء وخطفهن لإجبار رجالهن على الاستسلام واستخدامهن أدوات ضغط لاإنسانية لتحقيق أهداف عسكرية لما تعنيه الأنثى من معاني الكرامة والشرف لدى المجتمع الشرقي عموماً، فقد قامت القوى المشاركة في الحرب باستخدام العنف الجنسي ضدَّ النساء كأداة لتطويع المناطق ونشر الرعب وإجبار السكان على النزوح منها لتفريغها ونهبها لاحقاً وتطبيق تطهير عرقي بحقها، وقد سجلت هذه التقارير أكثر من 8019 حالة عنف جنسي ضدَّ النساء منها 881 حالة حصلت داخل مراكز التوقيف والاعتقال، و443 حالة اعتداء جنسي لفتيات دون 18 عاماً. إضافة الى الاعتقال والتنكيل والتشهير اللاأخلاقي بالنساء المشاركات في الاحتجاجات والنشاطات السياسية، بل إن حالات اعتقال كثيرة جرت للإناث لمجرّد انتمائهن إلى فئة معيّنة (قومية، طائفة، دين…) أو لابتزاز ذويهن مادياً ومعنوياً.

إن إلقاء الضوء على حالات العنف ضدَّ المرأة السورية خلال الحرب، التي أضيفت إلى تلك الحالات الشائعة قبل الحرب (تعنيف النساء وضربهن، الاعتداءات الجنسية بأنواعها، تزويج الصغيرات، حرمان الإناث من التعليم …الخ) هو عمل ضروري وملح، وشكل من أشكال الدفاع عن المرأة السورية والمجتمع السوري الذي مزّقته الحرب وتبعاتها، ويُهيئ البيئة القانونية المناسبة لمحاسبة مجرمي الحرب باتجاه ترميم الجراح العميقة التي تركتها في أرواحنا وفي البلد برمّته.

العدد 1096 - 21/2/2024