نساء أنهكهن القهر

وعد حسون نصر:

المرأة العربية بشكل عام، والسورية وقبلها الفلسطينية بشكل خاص، وحتى اليمنية والليبية، أنهكتهن الحروب وأزماتها، كبّلهنَّ القهر وأنهك قواهن الفقر والجوع، فالكثيرات تحولن لمعيل وحيد بعد فقدان المعيل، وأخذن على عاتقهن العمل حتى سُرِقَتْ منهن حياتهن داخل المنزل وخارجه، لدرجة أن بعضهن يعملن في الصباح والمساء إضافة إلى واجباتهن المنزلية. جهد وتعب ووقت مُغمّس بالقهر والذل. ولا ننسى اللواتي فقدن منازلهن وشردن وأطفالهن في أصقاع البلاد، أو اضطرهن الأمر أن يتشاركن السكن مع أحد الأقارب. وهنا تزداد المأساة بازدياد الاستغلال والأرق الفكري والنفسي والجسدي لتجد المرأة نفسها أمام عنف معيشي فرضته الأزمة عليها، كالعنف النفسي والجسدي واللفظي، وحتى السياسي! كلها أنواع عنف وقعت على عاتق المرأة، لا شكّ أنها كانت موجودة قبلاً، لكنها ازدادت وتفاقمت بعد الأزمة بفقدان الكثير من القيم والأخلاق والمبادئ. فكم من امرأة تعرضت للعنف الجنسي وخاصةً ممّن تشردن، واضطرت أن تكتم ألمها ووجعها خشية أن تفقد مورداً مادياً أو مأوى يُظلّلها هي وعائلتها.

كما يُمكننا أيضاً النظر إلى الاغتصاب الشرعي من قبل الزوج، الذي يُعتبر عنفاً جنسياً وابتزازاً للمرأة وانتقاصاً من كرامتها، فكم من امرأة تعرضت للضرب والإهانة والألفاظ النابية من الشريك وأخفت وجعها كي تبقى على قيد الحياة كائناً يتنفس فقط لكنه مهزوم من الداخل، كل هذا لأنها غير قادرة على مواجهة مصاعب الحياة وحدها، فهي بحاجة لمساعدة اقتصادية أجبرتها أن تكون صامتة عن التفوّه بالألم!! كذلك، لا يغيب عن أذهاننا حرمان المرأة من نصيبها في الميراث، وهذا حق قانوني وشرعي من حقوقها، فقبل الأزمة كانت الكثيرات من النساء يفضّلن السكوت على حرمانهنّ من حقهنّ في الميراث كي لا يخسرن إخوتهنّ بسبب ذلك، وكان المفهوم السائد أن الذكر هو الوريث الوحيد وخاصة في مجتمع العشائر إذ لا يجوز أن توّرث المرأة كي لا يذهب هذا المال إلى الصهر وإلى أولادها من غير عائلة، وبعد الأزمة حرمت الكثير من النساء من ميراثهن غصباً وبالإكراه والإجبار مقابل حريتها وحياتها.

واليوم، هناك شكل آخر من أشكال العنف وهو العنف المسلح الذي ولد من رحم الأزمة والحروب، عنف عاشته وما زالت تعيشه المرأة الفلسطينية، واليوم تتشارك السورية والفلسطينية هذا العنف لم يقتصر على المرأة وحدها بل على الجميع من الرضيع واليافع إلى الشباب والكهول والمسنين.. عنفٌ تسبّب بإعاقة جسدية ونفسية وأنهى حياة الكثيرين، لكن عذاب المرأة كان أكبر بكثير، فبسبب هذا العنف منهن من غدت ثكلى، وأخرى باتت أرملة وغيرها بات يتيمة، وكذلك معيلة لمُعاق جسدي سواء كان رجلاً أم امرأة من العائلة.

طبعاً مازالت هناك أشكال كثيرة من العنف الواقع على نساء العرب في سورية وفلسطين واليمن وفي كل مكان دخلت إليه الحروب ورفضت أن تهجره بسلام، فلا ننسى أن الاعتقال القسري عنف، وزواج القاصرات وزواج المتعة عنف، الإجهاض عنف، كل هذه الأشكال من التعنيف مازالت تُمارس على المرأة العربية عموماً، لكن النصيب الأكبر كان للمرأة الفلسطينية ومعاناتها مع القهر اليومي بسبب الهمجية التي تُمارس عليها من قبل معتدٍ لا يرحم، فموت أطفالهن أمامهن، تهجيرهن من المنازل، إهانة أزوجهن وقتل أخواتهن، هدم بيوتهن واعتقالهن، كل هذا الألم المُمارس على نساء فلسطين هو أبشع وأقسى أنواع العنف تقاسمناه معهن نحن النساء السوريات لكن بطعم مختلف، لذا كيف لنا أن نُهلل للسلام الداخلي وما زلنا نقبع تحت شتّى أنواع العنف في بلادنا؟

العدد 1115 - 17/7/2024