وقفة مع عملية (طوفان الأقصى)

د. صياح فرحان عزام:

استفاق كيان الاحتلال الإسرائيلي، صباح يوم السبت، السابع من تشرين الأول الجاري، على هجوم مباغت شنّه المقاومون الفلسطينيون على مستوطنات ما يسمى (غلاف غزة)، في حادثة لم يشهدها هذا الكيان من قبل، وجاء هذا الهجوم رداً على اقتحامات المستوطنين المتكررة للمسجد الأقصى، وعلى حملات القمع والمداهمات للضفة الغربية، وما رافقها من ضحايا وهدم للمنازل، وقضم للأراضي الفلسطينية في سياق المخطط الصهيوني لتوسيع الاستيطان، إلى جانب الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة.

إن العقل الذي اجترح تسمية (طوفان الأقصى) هو عقلٌ استراتيجيّ بامتياز، فهذا الطوفان جرف في طريقه ما اعتقد كيان الاحتلال أنه تكمن قوة له، وبذلك فللمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الصهيوني بعد حرب تشرين عام 1973، يُمنى كيان الاحتلال بذلٍّ ما بعده ذلّ، وهو يرى مستوطناته تداس بأقدام المقاومين الفلسطينيين، فسرعة هذا الاقتحام أذهلت قادت الكيان السياسيين والعسكريين وأوقعتهم في غيبوبة سياسية وأمنية ووجودية، فلم تعد تجدي القبّة الحديدية، ولا الجدران المحصّنة أمام عزيمة شعب مقهور ومضطهد، وما من شك بأن هذا الهجوم قد سبقه تحضير استمر لأكثر من عام، وبالتشاور مع محور المقاومة، لإنهاء ملفّ الأسرى وفكّ الحصار عن القطاع، وضمان أمن المسجد الأقصى بعد أن تمادى الكيان في غطرسته وغيّه وظلمه.

ومما يلفت النظر أن جيش الكيان الصهيوني ظهر جيشاً منهكاً إلى حدّ فشله في ستر عوراته، وخاصة فشل استخباراته في استشراف الحدث، رغم كل ما تملكه من تقنيات وأجهزة متطورة.

لقد نجحت عملية العبور الفلسطيني إلى غلاف غزة بسبب عنصر المفاجأة، والصدمة التي تركتها سرعة التقدم من قبل المقاومين، وانهيار العقيدة القتالية للجندي الصهيوني خاصة بعد ما شاهده من جثث قتلى ومن عمليات أسر لمقاتلي جيشه ومستوطناته. ومما يلفت النظر أيضاً سرعة الاصطفاف الغربي إلى جانب كيان الاحتلال منذ اليوم الأول لبداية الهجوم الفلسطيني، حتى إن الإعلام الغربي المتصهين راح يشبّه هذا الهجوم بهجمات 11 أيلول 2001، بهدف التحريض على الفلسطينيين.. الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا أصدروا بياناً مشتركاً أدان الهجوم، وأكدوا وقوف هذه الدول إلى جانب الكيان الإسرائيلي، متجاهلين كل ما ألحقه هذا الكيان من ويلات بالشعب الفلسطيني، ولاحقاً أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات الضخمة (جيرالد فورد) إلى المنطقة لترابط بالقرب من الساحل الفلسطيني، إلى جانب تزويد الكيان بمساعدات عسكرية ومادية عاجلة.

على كلّ حال، هذا الاصطفاف ليس بجديد ولا مفاجئاً من قبل دول استعمارية تدافع عن قاعدة لها في المنطقة (إسرائيل)، ومن المؤكد أن وراء هذا الاصطفاف دوافع عنصرية معادية للعرب.

على كلّ حال، سيعجز الكيان الإسرائيلي عن ردّ الهيبة لجيشه، ولهذا لجأ إلى تدمير الأبراج السكنية والبنية التحتية، وقتل المزيد من المدنيين وتهجيرهم من منازلهم في غزة.

لقد أكد هذا الطوفان (طوفان الأقصى) أن الشعب الفلسطيني متمسّك بأرضه وحقوقه المغتصبة، وأن الطريق المجدي لمواجهة الاحتلال يمرّ من فوهات البنادق وعلى أيدي المقاومين الأبطال. إلى جانب ذلك ثبت بالدليل القاطع أنه لو استخدم كيان الاحتلال كل الرؤوس النووية الموجودة في مفاعل ديمونة بالنقب، فلن يستطيع أن يمحو حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن قوى الردع خرجت من سلطته ولم يعد وحده يحتكرها.

العدد 1096 - 21/2/2024