عجيب أمر فرنسا!

د. صياح فرحان عزام:

أصبحت ممارسات فرنسا الرسمية لافتة للنظر في مجال التمييز بين مواطنيها والجالية المسلمة في فرنسا، رغم أنها تدعي وتصف نفسها ضمن أوربا والعالم بأنها قلعة الحرية والمدافعة عنها.

قبل بضعة أشهر طلبت وزارة الداخلية الفرنسية من الإدارات التعليمية موافاتها بعدد الطلاب المسلمين الذين تغيّبوا عن المدارس يوم عيد الفطر الماضي، ما أدى إلى التهجم على الوزارة، حد اتهامها بالعنصرية من قبل أبناء الجالية المسلمة وجماعات مناهضة التمييز العنصري.

في هذه الأيام، وبمناسبة افتتاح العام الدراسي الفرنسي، يقود وزير التربية الفرنسي غابريل أتال حملة فيما يسميها مواجهة ارتداء العباءة الإسلامية في المدارس، مدعياً أن هذا الإجراء هدفه الرغبة في توحيد اللباس في المدارس حتى لا يتم التعرف إلى ديانة الطالب بمجرد النظر إليه ورؤية لباسه الخارجي.

هذا التبرير لا يمكن قبوله وهضمه، من غير الشك في الدوافع الأصلية لحظر العباءة والقمصان الطويلة في المدارس خاصة مع تصميم الوزير على البدء بالعمل به مباشرة.

بالتأكيد، وكما أكد باحثون محايدون أن مثل هذا الإجراء لا يمكن فصله عن مسألة (الإسلاموفوبيا) المستشرية في فرنسا وغيرها من الدول الأوربية، ولا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، وما أقدم عليه الوزير لقي دعماً من الحكومة ومن الرئيس ماكرون تحت ذريعة دعم العلمانية، علماً بأن مثل هذا الإجراء التعسفي يشكل خطراً على نسيج المجتمع الفرنسي وليس دفاعاً عن العلمانية، لأنه إجراء يصب أولاً وآخراً في هجوم واضح على الحرية وعلى مقومات التعايش والتجاور في وطن واحد ودولة واحدة، كما أنه يتعارض مع القوانين السائدة هناك.

أما الادعاء من قبل السلطات الفرنسية بأن هذه الملابس للطالبات المسلمات، ماهي إلا (إشارة سياسية) أو على أنها شكل من أشكال (التبشير) كما وصفها أوليفيه فيران المتحدث باسم الحكومة، فلا يمكن التعامل معه أو قبوله أيضاً، لأنه مناف للمنطق والواقع.

لا شك بأن هذه الإجراءات الفرنسية هي محاولات للقفز على مشكلات أكبر تواجهها فرنسا منذ سنوات، خاصة في الأوقات الراهنة، وهي تتفاقم وتتزايد خارج الأراضي الفرنسية، لاسيما في القارة الإفريقية، حيث يعاد تشكيل الوجود الفرنسي الاستعماري الطويل والمتوغل في دول القارة بشكل سرطاني، لأن الشعوب الإفريقية أصبحت أكثر إدراكاً بأن خيراتها تنهب من قبل الفرنسيين وغيرهم، وأكبر مثال على ذلك ما حصل للوجود الفرنسي في النيجر مؤخراً، وقبله في دول إفريقية أخرى، حيث امتعض ماكرون إلى درجة كبيرة مما حصل وراح يحرض بعض الحكام الأفارقة الموالين لسياسته على التدخل العسكري في النيجر وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب الأخير.

عجيب أمر فرنسا.. إنها تحن بكل وقاحة إلى ماضيها الاستعماري، وتطمح من جديد إلى إعادته بأشكال مختلفة وتحت ذرائع واهية ومكشوفة لا تنطلي على أحد.

العدد 1115 - 17/7/2024