طفولة على مقاعد القهر

وعد حسون نصر:

بدل أن نصل إلى العلا في زمن غزت فيه التكنولوجيا أصقاع العالم، بتنا نحن نمشي للهاوية رويداً رويداً بقدمين مبتورتين وذراعين مكبلتين بزرد الفقر، وباتت المدارس أشبه بكابوس يصارع أفكار الأهل كل عام، يخنق الدمعة في عيون الطفل وهو يرنو إلى حقيبة تتماوج بألوان أحلامه وضحكاته، فيخمد هذه الضحكة صوت أحد الأبوين: ليس لنا مقدرة الآن على الشراء! أين أقلام التلوين في حقيبة الطفل؟ وأين القراطيس الملونة بصور الكرتون المُحببة له ودفتر الرسم وقصاصات الأشغال والمقص المزركش والمسطرة الطويلة التي تحتضن الدوائر والمثلثات؟! كل هذا غاب من حقائب الطفولة، وغابت عروسة الزعتر واللبنة، وشرائح الخيار والتفاحة، وزجاجة الماء، وغابت معهم فرحة الأولاد بافتتاح المدارس مثلما كبر الصراع في نفوس الأهل بين مستقبل أولادهم والفقر والعجز والذل.

كل هذا يهون عندما يدخل الطفل المدرسة ويرى أن الأغلبية من كادرها قد غادرها بسبب عدم توافق الأجر مع مقدار العطاء، فلم نعد نسمع صوت مدرس الرياضيات وهو يقسم على وتر الأعداد لتظهر النتيجة ويصفق له الطلاب، ولا أنغام كلمات مدرس اللغة الأجنبية ولا ضحكات التلاميذ عند عجز أحدهم عن لفظ الكلمة في درس اللغة. درس التاريخ غفا مع التاريخ هو ومُعَلمهُ وذهبوا مع زمن الفتوحات والتلاميذ، حولوا حصته الخالية من المعلم إلى لعبة قدم في الباحات، والجغرافيا صارت تضاريسها على مستوى الأرض كرمى للصحراء، ومُدَرسها اختفى مع كثبان القهر، يبحث عن منفذ للنجاة. أما اللغة العربية والإعراب والقصائد، وبحور الشعر فلم يعد وافرها جميل، وضاع الوافر بالطويل مع ضياع مدرس المادة، وإعراب التلاميذ جملة صلة الموصول بعد الاسم المجرور، والاسم المجرور بعد منْ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب؟

من يسدُّ هذا الفراغ في عقول التلاميذ وعجزهم عن حل مسائل الرياضيات وإعراب كلمات وجمل النحو، وتشكيل سؤال وموضوع في اللغات؟ إنه مُدرّس من خارج المدرسة يصحّح ما أفسده غياب المعلمين، وهنا يلجأ الكثير من الأهل للمعاهد أو الدروس الخاصة داخل المنزل، وبالتالي يكبر الهمُّ لديهم لتأمين مصاريف الدروس وأجور المعاهد، ويصبح الجميع في المنزل يعمل كخلية النحل عملين أو ثلاثة ليوفق بين المصاريف والدروس ومستقبل أبنائه وخاصةً في صفوف الشهادات، وفي نهاية المطاف وفوضى الأزمة والأعذار الأقبح من ذنوب، فإن ضعاف النفوس يتاجرون بمراكز الامتحانات! فترى المتفوق حصل على أقلِّ العلامات والضعيف دخل الطب بجدارة، والدليل كثرة الأخطاء في غرف العمليات وهفوات أدت إلى فقدان حياة الكثيرين، هكذا بات موسم المدارس همّاً للأهل وقهراً للطلاب، وعجزاً في المدارس مع صراع بين الأجر والاستاذ، فيكون الخاسر الوحيد مستقبل الأولاد.

فلماذا لا تجعلوا راتب المعلم متناسباً مع حجم العطاء والمعيشة؟ أليس المعلم هو الرسول الأول الذي علم الأحرف وجعل من أبنائكم الطبيب والمحامي والمهندس والقاضي والإعلامي والوزير والدكتور في الجامعات؟

أكرِموا المعلمين كي لا تضعف النفوس، فبدل الرسل تجعلون منهم تجار معلومات تهمهم المادة قبل الأفكار، لا ضرر من مساعدة التلاميذ العاجزين عن تأمين لوازم المدرسة، ولا عيب في غضِّ النظر عن التلميذ المحتاج، كي يعود المستقبل مشرقاً في بلادي، كرموا المعلم وأنصفوا الأولاد وأوقفوا سرقاتكم بحجّة العجز في ميزانية المؤسسات التربوية، وافصلوا بين الطمع والنقص حتى تتساوى الموازنة مثل كفتي الميزان.

العدد 1096 - 21/2/2024