شهية الغرب للتوسع.. لم ولن تتوقف!

د. صياح فرحان عزام:

إن ما يحدث الآن بين روسيا والدول الغربية لا يخرج عن إطار لعبة لانتزاع تنازلات تخدم الهدف الاستراتيجي لكل منهما.. هذا ما يراه العديد من المحللين السياسيين والعسكريين، مع العلم بأن هذا التصعيد بدأه الغرب، من خلال قيام حلف الأطلسي بالتوسع وزيادة وجوده العسكري في أوكرانيا وبعض دول أوربا الشرقية التي كانت جزءاً من المجال الحيوي لروسيا، إضافة إلى محاولات تحريض هذه الدول ذاتها ضد موسكو ودعمها بالسلاح.

إن الأزمة الحالية ليست بمستوى حدة وخطورة أزمة عام 1962، التي عرفت بـ(أزمة الصواريخ) في كوبا، آنذاك عاش العالم بأسره طوال ثلاثة عشر يوماً وكأنه على شفا حرب نووية طاحنة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه تم التوصل إلى اتفاق بين الرئيس الأمريكي جون كينيدي والزعيم السوفييتي آنذاك خروتشوف، وضع حداً للنزاع وأنهى تلك الأزمة.

جدير بالذكر أن الأزمة الحالية ليس سببها صراعاً إيديولوجياً، بل هو صراع نفوذ، فروسيا يقلقها توسع حلف الأطلسي على حدودها مع أوكرانيا، لأن هذا التوسع يهدد أمنها القومي تهديداً فعلياً ومباشراً.. لهذا كله فإن روسيا تطلب ضمانات فعلية وموثقة من الدول الغربية تنص على عدم التوسع شرقاً، وذلك التزاماً بتعهدات كان قد قطعها الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان ووزير خارجيته جيمس بيكر، للرئيس السوفييتي غورباتشوف ووزير الخارجية شيفارد نازة، وهي على حق في مطلبها هذا.

ولقد بات هذا المطلب الروسي ملحّاً، وقد طرحه الرئيس الروسي بوتين مؤخراً على رؤساء الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وفنلندا، في مسعى صادق منه لتجنب أية مواجهات عسكرية قد تحصل بين الجانبين، واقترح بوتين مفاوضات مستعجلة بهذا الشأن، مؤكداً أن الجانب الروسي لديه مشروع تسوية متكامل يؤدي إلى حل مقبول للجميع.

ويعتقد خبراء عسكريون أنه توجد ساحة معركة محتملة على طول حدود روسيا الغربية مع الدول الأوربية الشرقية تتموضع فيها قوات لحلف الأطلسي، إلا أن هذه الساحة ليست في حالة تأهب واستعداد لمعركة كبيرة، وإنما هناك فضاء معركة تدور رحاها في شكل صراعات على المستوى النفسي والإعلامي والاقتصادي للتأثير على الخصم وإرغامه على تقديم تنازلات تخدم الحرب العسكرية من دون خوض غمارها.. بمعنى أن الغرب يهدف من التصعيد ضد روسيا إلى تحقيق أهداف سياسية وفقاً لنظرية المفكر الاستراتيجي النمساوي كارل فون كلاوزفيتز التي تقول (إن الحرب هي امتداد للسياسة بطرق مختلفة، وأن الغرض السياسي هو الهدف من كل حرب، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار الوسائل بمعزل عن أغراضها). أيضاً القمة الافتراضية التي عقدت مؤخراً بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن أكدت أن الطرفين الأمريكي والروسي اتفقا على ما يبدو أن يبقى هذا التوتر خارج ميدان المعركة دون تجاوزه، أي البقاء في فضاء المعركة دون خوضها عملياً.

وبناء على ما تقدم يمكن استخلاص بعض النتائج والملاحظات منها:

– إن من يقرأ السياسة الغربية جيداً، يلاحظ بوضوح أن شهية هذا الغرب للتوسع لم ولن تتوقف عند حد، بل ازدادت الرغبة في ذلك، وعلى سبيل المثال، على الرغم من وعود الغرب بعدم تمدد حلف الناتو، قام الحلف بوضع خطط جديدة للتوسع باتجاه حدود روسيا مع العمل لزعزعة استقرار الدول المحيطة بها تحت شعارات مخادعة، كما حدث ويحدث في أوكرانيا التي تحولت إلى ما يشبه الصاعق الذي قد ينفجر في أي لحظة.

– إن ما يجري بين الغرب وروسيا بسبب الاستفزازات الغربية هو لعبة خطيرة قد لا يستمر التحكم في مساراتها حتى النهاية، ما يهدد بحرب خطيرة.

 

العدد 994 - 26/01/2022