مع رسول حمزاتوف في داغستان

عبد الرزاق دحنون:

(لقد اشترى قبعة كقبعة ليف تولستوي، فأنّى له أن يشتري رأساً كرأسه)!- أبو طالب جعفر شاعر داغستاني

لعل كتاب (داغستان بلدي) تأليف الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف (بسيطٌ كالماء، واضحٌ كطلقة مسدّس) على حدِّ تعبير الشاعر السوري رياض الصالح الحسين. وأجمل ما فيه حكاياته البسيطة والقريبة من القلب والوجدان. إنه سهل جداً وعميق جداً في الوقت نفسه، ويصح أن يبدأ به أولئك الذين ينوون البدء بالقراءة لأول مرة في حياتهم. وعندما تصل إلى نهايته- ولا تود ذلك فعلاً- تشعر أن حب الأوطان من الإيمان، كما قال الأوائل.

ترجم الكتاب من نسخة فرنسية إلى العربية أول مرة الأديب السوري عبد المعين الملوحي، ونشره في مجلة (الآداب الأجنبية) السورية عدد شهر تموز عام 1975. ومنه تعرفت إلى هذا الشاعر الداغستاني الفحل. ثمَّ طبع الكتاب في دمشق عام 1979في نسخة أنيقة اشتريتها من مكتبة (الفجر) في شارع بارون في حلب الشهباء، التي كانت مختصة بالكتب السوفييتية. رافقتني هذه النسخة من كتاب (داغستان بلدي) إلى أبو ظبي حين ذهبت للعمل هُناك صيف عام 1992 بمعيَّة أخي الذي سبقني إليها. ثمَّ حملتها هدية مع كتاب (جريدة الكلب) لصدقي إسماعيل وعدة كتب أخرى إلى جريدة الخليج، التي كنت أكتب في صفحاتها الثقافية يوم ذاك. وتركت الإمارات العربية المتحدة سنة 2000 وعدتُ إلى بلدي.

أعتقد أنَّ كتاب (داغستان بلدي) كان الحظ حليفه بوقوعه بين يدي الأديب السوري عبد المعين الملوحي، القدير والمتعدد المواهب، فهو أديب مُجاهد، شاعر، كاتب، مفكر، مترجم، شيوعي. له أزيد من مئة كتاب مطبوع في مختلف شؤون المعرفة بين تأليف وترجمة. لذلك جاءت ترجمته لكتاب (داغستان بلدي) معبِّرة عن واقع الحال. وقد أذهلني ما كتبه رسول حمزاتوف، الذي يجمع على جودته خلق كثير، فهو شبه قصيدة ملحمية، تتخللها الأمثال المضروبة للناس. وحين صحوت من ذهولي، أدهشتني تلك الترجمة الأنيقة التي تمس شغاف القلب، وتترك القارئ في حيرة من أمره، أهو تأليف أم قدرة عالية في محاكاة النص الأصلي يُحسنها الأدباء الكبار؟

تحدث رسول حمزاتوف في الكتاب عن القائد الأسطوري الشيخ شامل، القائد الميداني الذي حارب جيوش القيصر الروسي نقولا الأول خمسة وعشرين عاماً، وعندما طالت الحرب وتعب الناس جاء بعضهم إلى الشيخ شامل يحاول إقناعه بالاستسلام، فما كان من هذا إلا أن أمر بجلد كل من يتحدث عن الاستسلام مئة جلدة في الساحة العامة أمام الناس. عندئذٍ لجأ طالبو الاستسلام إلى أم شامل، وهم يعرفون مكانتها عند ابنها، لتقنعه بالاستسلام. فقال لها: ألم يبلغك الأمر الذي صدر في حق من يطلب الاستسلام؟ فأجابته: نعم يا بني، ولكنني أمك يا شامل. فرد عليها: أنت داغستانية قبل أن تكوني أم الشيخ شامل، ولذا سيسري عليك ما يسري على أهل داغستان. وأمر أن تحمل أمه إلى الساحة العامة ويسدل عليها غطاء وتجلد.

وقف الناس ذاهلين أمام ما يجري، وبينهم وقف الشيخ شامل أيضاً. ولما جلدها الجلاد ثلاث جلدات قال له الشيخ: حسبك يا هذا أنا سأتحمل عن أمي السبع وتسعين جلدة الباقية، وبدأ يتجرد من ثيابه، وراح مريدوه وقواده يحاولون ثنيه عن عزمه، قائلين له: أنت الشيخ شامل زعيم داغستان تجلد في الساحة العامة أمام الناس؟ بهذه الروح تربى مريدو الشيخ شامل ومنهم الحاج مراد الذي كتب عنه ليف تولستوي روايته المنسية (الحاج مراد).

كان هُناك جماعة من المريدين يتفاخرون بسيوفهم أيها أكثر صرامة وحدة، وأيها صنعت من فولاذ ليِّن صلب متين، والآيات القرآنية الأجمل التي كتبت على نصل السيوف. وكان الحاج مراد نائب الشيخ شامل يستمع إليهم، فقال لهم: وعلام تتنازعون في ظل الأشجار الظليلة الوارفة؟ غداً تخوضون المعركة وعندئذٍ تقرر سيوفكم أيها أقوى وأشد صرامة.

يقول رسول حمزاتوف في مقدمة كتابه: إن الإنسان في حاجة إلى سنتين ليتعلم الكلام وإلى ستين عاماً لتعلم الصمت. ولست ابن عامين ولا ابن ستين عاماً. أنا في نصف الطريق. ومع ذلك يُخيل إليَّ أنني أقرب إلى الستين لأن الكلمات التي لم أقلها أغلى على قلبي من كل الكلمات التي قلتها. الجبليون في داغستان يقولون: لا تُخرج الخنجر من غمده دون الحاجة إليه، ولكن إذا انتضيته فاضرب به. اضرب لكي تقتل الفارس والفرس في طعنة واحدة.

في دفتر مذكراته كتب رسول حمزاتوف يقول: عندماً كنتُ طالباً في موسكو. أرسل لي والدي نقوداً لأشتري معطفاً شتوياً. وأنفقتُ النقود ولكنني لم أشتر المعطف. وعندما عدتُ إلى داغستان في عطلة الشتاء كنتُ ألبس ما لبسته حين غادرت إلى موسكو. وعندما وصلت إلى الدار حاولت أن أعتذر عما فعلت مخترعاً أساطير بعضها أكثر سخفاً من بعض. وعندما أضاعتني قصصي ضياعاً تاماً قاطعني والدي: قف يا رسول.. أريد أن أسألك سؤالين! أجبت: اسألني! هل اشتريت معطفاً؟ لا. هل أنفقت النقود؟ نعم. إذاً اتضح كل شيء. فلماذا تقول كل هذه الأقاويل؟ ولماذا تخترع مقدمة طويلة كل هذا الطول؟ وأنت تكفيك كلمتان اثنتان لإيضاح ما هو مهم.

ينسج رسول حمزاتوف كتابه على هذا المنوال، يقدم ما هو ضروري فقط لنفهم ونعيش معه في بلده داغستان وأهلها. عاداتهم، حكاياتهم، جبالهم، حكمتهم، أغانيهم، تدفق ماء أنهارهم وجداولهم، قمم جبالهم المكسوة بالثلج، أحصنتهم، طعامهم، مواقدهم، ملاحمهم، شجاعة فرسانهم، مهارة حرفييهم، ضيوفهم. يقول: إننا نستقبل الضيف عند عتبة بيتنا دون أن نسأله من أي بلد هو، ونقوده إلى صدر البيت الأقرب إلى الموقد ونجلسه على الوسائد. الضيف في الجبال يظهر دائماً على غير توقع. لكنه لا يُفاجئنا أبداً، لا يباغتنا، لأننا ننتظره كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة. وكالضيف في الجبال أتتني فكرة هذا الكتاب. ولو سألناه: لِمَ وضعت كتابك في هذا القالب الفضفاض الواسع الفسيح يا رسول؟

حين كنت ما أزال يافعاً، وكان والدي لا يزال على قيد الحياة، اضطررت لأن أذهب إلى قرية بعيدة لأمر ما، انعطفت عن الطريق العام، وأردت أن أسير في الطريق الذي شقه والدي. رآني أحد الجبليين، فاستوقفني وقال لي: اترك طريق والدك لوالدك يا رسول، وابحث لنفسك عن طريق آخر، طريق خاص بك. امتثلت لأمر الجبلي العجوز، ورحت أبحث عن طريق جديد. لقد كان طريق أغنيتي طويلاً، متعرجاً، لكني أسير فيه وأجمع الأزهار لباقتي. وعلى هذا الطريق راودتني لأول مرة فكرة هذا الكتاب.

لا أريد أن أربط حبي لوطني وأعقله، كما يربط أو يعقل فرس قام بجهد طيب ويجب الآن أن يرعى في مرج فسيح أخضر. إني أنزع عنه لجامه وأُربّت على عنقه الحال المبتل وأقول له: اذهب وارع واستجمع قواك. ففي شعوري بالوطن هناك شيء ما طيب وهادئ كما في الفرس الذي يرعى في الهواء الطلق ويختال سعيداً فرحاً أو قل ضاحكاً.

مرّت بعض الأيام المُرّة كالعلقم على رسول حمزاتوف، ومرّت بعض الأيام وكانت حلوة كالشهد. هذه سُنَّة الحياة وطبيعة الأمور، والحياة تُعاش على كل حال بحلوها ومُرها. في الأيام المُرّة يحدث أن يقنط الكاتب الموهوب (لا تَقْنط من رَحْمة الله)، في حين يروح الكاتب غير الموهوب يعتلي المنابر ويطبع الدواوين ويشمخ بأنفه. في هذا الوقت بالذات خطر للشاعر حمزة تسادا، والد رسول حمزاتوف أن يكتب قصيدة ملحمية عن الشيخ شامل، القائد الداغستاني المشهور. كانت القصيدة على وشك أن تُنشر. حين صدرت فجأة تعليمات باعتبار الشيخ شامل من الآن وإلى الأبد عميلاً إنكليزياً تركياً. وكان هذا معناه أن شاملاً حارب خمسة وعشرين عاماً لا في سبيل حرية شعوب داغستان، بل من أجل خداع هذه الشعوب.

يقول رسول حمزاتوف عن حالة أبيه الشاعر المعروف: ما أسوأ وضع أبي وقصيدته البطولية عن الشيخ شامل. لقد ألمحوا لي أنه ليس بالأمر الحسن في زماننا المشرق هذا- أيام الاتحاد السوفييتي العظيم- أن يغوص الإنسان في التاريخ القديم، وأن من الأفضل لو أنه يكتب قصيدة جديدة عن أي شيء آخر أكثر معاصرة وأقرب إلى القارئ. في تلك الأيام كان يتردد على والدي كثيراً صديق بيتنا الشاعر المرح أبو طالب جعفر، ومعه قيثارته التي لا تفارقه أو مزماره. قال أبو طالب وهو يأخذ وضعاً أكثر راحة ويضبط أوتاره: لا تحزن، يا حمزة، كل هذا الحزن! على كل حال إذا أطلقتْ نيران مسدسك على الماضي أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك. حزن أبو طالب وحزنت معه قيثارته. عزف طويلاً في صمت، ثم رفع رأسه وقال: ما أصعب كتابة الشعر!

العدد 994 - 26/01/2022