المهاجرون يوحّدون العالم

حسين خليفة:

لطالما تأمّلنا في الأصول العرقية للأفراد والجماعات التي تسكن هذه الجغرافيا المسمّاة سورية أو سوريا حسب الرؤية التاريخية للاسم، وربما كانت للإيديولوجيات علاقة بتثبيت التاء المربوطة في نهاية الاسم كدلالة على النزوع العروبي المعاصر.

ما علاقة هذا الكلام بالهجرة والمهاجرين؟

كلنا نُردّد عبارة (الفسيفساء السورية) أو (الموزاييك السوري) ويُلحقها الكثيرون بكلمات رومانسية وشاعرية عن المحبة والألفة والجمال، والحقيقة أن بلادنا فسيفساء عرقية وإثنية ودينية ومذهبية أيضاً، وهذه دلالة على نسبة (المهاجرين) العالية في المجتمع السوري.

مهاجرون مع الهجرات الأولى في التاريخ إلى أطراف الأنهار الكبرى في بلاد الشام والعراق، (ما بين النهرين)، وبناء الحضارات التي درسناها في كتب التاريخ: السومريون والأكاديون والبابليون والكلدانيون والآراميون… الخ.

ثم جاءت الموجات التالية من أواسط آسيا وجلبت معها أعراقاً مختلفة شكلاً ومضموناً، فاندمجت في المجتمع الشامي (نسبة الى بلاد الشام)، تلتها الموجة الأكبر التي جاءت مع قدوم جيوش المسلمين إلى بلاد الشام، التي كانت أغلبية سكانها تعتنق المسيحية، وتتحدث بلغاتها الخاصة (السريانية خصوصاً)، وفرضت الدين الإسلامي ولغة القرآن على هذه البلاد، فأصبحت لاحقاً وبعد قرون طوال مرّ فيها غزاة ومحتلون كثر، أقاليم وولايات ذات طابع عربي نتيجة العمر الطويل للدولة العربية الإسلامية، ولغة الكتاب المقدس (القرآن)، ففشلت حملات التتريك العثماني خلال أربعة قرون من حكم الظلامية العثمانية باسم الخلافة الإسلامية، بل كانت عاملاً مساهماً في إذكاء جذوة الفكر القومي العروبي وتشكيل الأحزاب والحركات القومية التي قفزت إلى الحكم بانقلابات عسكرية لاحقاً ولقّبت سورية بـ(قلب العروبة النابض).

إذاً استتب الأمر أخيراً للدفعة الأخيرة من الهجرات التي جاءت مع الغزو (أو الفتح إن شئتم) العربي الإسلامي، وصارت بلاداً بطابع عربي، لكن هل الأصول العرقية واحدة للسوريين الذين يضمّون أكثر من عرق وإثنية قومية؟! لا، طبعاً.

نحن أحفاد مجموعات متنوعة من المهاجرين عاشوا على هذه الأرض، عمّروها وزرعوها وعبدوا آلهتهم عليها، ثم جاء العرب من جزيرتهم ليُغلّبوا الطابع العربي الإسلامي عليها.

نحن المهاجرين من أصقاع الأرض المعروفة حينذاك أصبحنا أكثر شعب يُصدّر المهاجرين، بعد هذه الحرب الكارثية التي عشناها ونعيش فصولها الأخيرة كما نتمنى.

ومن المفارقات الساخرة للإعلام السوري، تلك الندوة التلفزيونية التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي عن هجرة الشباب، وضمّت دكتورة في كلية الإعلام ومحلّلاً سياسياً وباحثاً استراتيجياً وتاجراً، وقد أجمع الحاضرون على أن مشكلتنا هي في غياب الرقم الإحصائي الدقيق لأعداد الشباب المهاجرين، بل لأعداد المهاجرين عامة.

طبعاً الرقم الإحصائي في بلادنا مشكلة حقيقية منذ عقود، بسبب غياب الشفافية وتغطية الحقائق بضجيج الشعارات وغبار الانتصارات الزائفة، لكن يمكن للسادة الأفذاذ النظر إلى إحصاءات الآخرين والدول والسفارات التي يهاجر إليها شبابنا وشيّابنا، بل يمكنهم النزول ولو لمرة واحدة إلى الشارع، إلى الأحياء الفقيرة أو ما تبقى منها بلا تدمير، ليجدوا العدد الهائل للمهاجرين والعائلات التي لم يبقَ منها في سورية إلّا من ينتظر رحيله من هذه الدنيا الفانية إلى ديار الحق، لم يعد الأمر بحاجة إلى رقم إحصائي أيها العباقرة الأفذاذ.

النكتة الأكبر والأوجع ظهرت حين تفتقت عبقرية أحد المتحاورين عن أن الموّرثات الفينيقية لدينا هي الدافع الأكبر للسوريين إلى الهجرة، فنحن شعب نعشق السفر والترحال منذ أول فينيقي عمّر سفينة وبدأ عشق الهجرة يتغلغل في ثنايا أرواحنا وما زال، وكان أن عقد المتحاورون حلقات دبكة على هذا الاكتشاف السحري لسبب الهجرة.

تقول الإحصاءات التي تقدمها المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة (وهي متآمرة علينا بطبيعة الحال) إن عدد المهاجرين بلغ زهاء 281 مليوناً عام 2020، ومَثّل هؤلاء نسبة 3.6 في المئة من سكان العالم.

طبعاً ليس هؤلاء كلهم من العرق الفينيقي، وبالتالي فهجراتهم لا تعود إلى المورثات مثلنا، لكنها تعود في جزء منها إلى الكوارث والتحديات الاقتصادية والفقر أو الصراعات ومناطق التوتّر والدول ذات الأنظمة الاستبدادية والتي لا تكتفي بمنع حرية التعبير، بل تمتد إلى منع العيش الكريم حتى لو بقي مواطنهم صامتاً راضياً  قنوعاً، بل حتى لو غنّى ودبك وهتف لهم ليل نهار، فالاستبداد هو عدو الحياة الكريمة وليس الحرية فقط، ويكفي أن نتخيّل أن تفتح كوريا الشمالية (على سبيل المثال لا الحصر) حدودها لساعات فقط لنجد المهاجرين يهربون من جنّة كيم أفواجاً.

طبعاً ليس كل المهاجرين أعباء على المجتمعات التي هاجروا اليها وصاروا جزءاً منها، بل إن جُلّهم يساهمون بمعارفهم وشبكاتهم ومهاراتهم في بناء مجتمعاتهم الجديدة وتقويتها وتطويرها، لكن الموجات التي تنتج عن الحروب والكوارث هي التي تشكّل عبئاً على المجتمعات الجديدة والمنظمات الدولية المعنية، لأن الهجرة هنا قسرية وهروب من الموت وليست بحثاً عن فرص أفضل.

وتقوم الأمم المتحدة ومنظماتها بجهود كبيرة في استقبال المهاجرين ومساعدتهم على العمل والاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، ومكافحة العنصرية والنظرة العدائية إلى المهاجر، وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 كانون الأول عام 2000 اعتماد يوم عالمي للمهاجرين في 18 كانون الأول من كل عام، بعد الأخذ بعين الاعتبار الأعداد الكبيرة والمتزايدة للمهاجرين في العالم.

في قراءة ختامية لنسب المهاجرين واندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة وظهور مبدعين وقادة رأي ومتفوقين في مختلف المجالات منهم، نرى أن العالم فعلاً يتجه إلى الاندماج في كتلة واحدة، مهما حاول الحرس القديم التمسّك بالوضع الحالي، ومن ذلك ممثلاً: الإفريقي الذي أصبح رئيس أكبر دولة في العالم، وروّاد الفضاء الذين يجتمعون على سفينة واحدة وهم من مختلف الأعراق والثقافات، الجامعات التي تضم أساتذة من مختلف الأصول، سائق التكسي الباكستاني الذي يتحدّث الألمانية بطلاقة مع زبونه الكردي أو التركي او العربي …إلخ من الوقائع والتقارب والاندماج الاقتصادي والسياسي للكتل الدولية الكبرى، كل هذه الوقائع تؤكّد أننا سائرون إلى (بلد واحد هو العالم) كما عنون الراحل الكبير هاني الراهب إحدى رواياته، في نبوءة هي ميّزة الإبداع الحقيقي.

العدد 993 - 19/01/2022