هل انتصرت النيوليبرالية أم القوى البازغة؟

إبراهيم الحامد:

من خلال سفري  إلى دمشق على الطريق البري الواصل ما بين القامشلي ودمشق، مروراً بالحسكة والرقة والطبقة وحمص، ومن خلال مشاهداتي على هذا الطريق، تأكد لدي بالعلم اليقين ما الذي كان مستهدفاً في سورية من قبل الذين خططوا لما سمي بـ (الربيع العربي) وافتعلوا الأزمة السورية المدمرة لقطاعات اقتصادية استراتيجية هامة وعامة، من خلال استغلالها الحراك الشعبي الذي رفع جملةً من المطالب المحقة، وقد رآها حزبنا الشيوعي السوري الموحد آنذاك بأنها محقة، وطالب السلطة السورية بملاقاتها وتلبيتها بعيداً عن المعالجة الأمنية غير المفيدة، إلا أن مسار الحراك قد انحرف نحو حروب وصراعات دولية وإقليمية على الأرض السورية وحدث ما حدث .

لقد أكد لي ما شاهدته على ذاك الطريق أن المستهدف، من تلك الحروب والصراعات، هو رأسمالية الدولة وقطاعاتها الاقتصادية الاستراتيجية العامة والنظام الاقتصادي المخطط ذا التوجه الاشتراكي، والتي حققت مكاسب كبيرة  للطبقات المهمة والمنتجة الفقيرة من العمال والفلاحين وذوي الدخل المحدود، إضافة إلى الطبقة  البرجوازية الوسطى المنتجة لمواد واحتياجات استهلاكية استراتيجية من خلال القطاع الخاص والمشترك والتعاوني، هذه الطبقات التي أوصلت سورية للاكتفاء الذاتي بإنتاجها المواد الاستراتيجية كالحبوب والقطن والثروة الحيوانية والصناعات النفطية والنسيجية والغذائية والنقل، في يوم من الأيام.

وعوداً إلى المشاهدات سأذكر بعضها: أنبوب النفط الممتد على طول الطريق المعروف عندنا بـ(طريق البترول) بدءاً من رميلان حيث مركز آبار النفط وصولاً إلى مصفاة حمص، ذاك النفط الذي كان يدعم تلك الطبقات المنتجة بالمحروقات اللازمة للإنتاج بسعر مدعوم، ويمدهم بما يلزم للتدفئة شتاءً، إلا أن تلك الأنابيب قد تقطعت بفعل الحرب واللصوص، وامتدت على طولها صهاريج نقل النفط الخاصة من رميلان إلى حمص أيضاً؛ وإلى جانب الطريق نفسه أبراج نقل كهرباء التوتر العالي الملتوية والمتقطعة أسلاكها من سد الفرات إلى كل بيت على  الأرض السورية، والتي كانت تمد تلك الطبقات بالكهرباء في المجالين الصناعي والمنزلي طيلة أيام السنة وعلى مدار  24 ساعة باليوم وبسعر مدعوم، وقد انتشرت إلى جانبها اليوم ألواح الطاقة الشمسية الخاصة والمستوردة، ومولدات الكهرباء لإنتاج كهرباء الانارة المنزلية وتشغيل شبكات الاتصالات الخاصة، والشيء الثالث واللافت للنظر هو سكة الحديد الممتدة من القامشلي مروراً بالحسكة ودير الزور والرقة وحلب وحمص وصولاً إلى دمشق (محطة القدم)، والتي لم يبقَ منها شيء سوى السرير الترابي وبقايا الأحجار البازلتية السوداء الناعمة، تلك السكة التي كانت تقل المواطنين والمنتجات والسلع بين تلك المحافظات وبأسعار مدعومة طيلة أيام السنة دون انقطاع، وقد حلّت محلها شركات النقل الخاصة، والأهم أكثر مما سبق هو صوامع الحبوب المدمرة على امتداد سكة القطار، ومحطات تخزين الحبوب، التي كانت تحتفظ بمنتجات خمسة مواسم وأكثر من الحبوب، دون المس بها بتوجيه من القيادة التي كانت تقود النظام  الاقتصادي المخطط والموجه وذا التوجه الاشتراكي، وهذه الصوامع والمحطات كانت تمد أبناء الشعب السوري كله بالقمح اللازم للخبز وحسب حاجته من مخابز الدولة العامة وبسعر مدعوم، وقد حلت محلها اليوم ناقلات الشحن الخاصة  التي تقل القمح المستورد، إضافة إلى المخابز الخاصة .

لقد استهدفت النيوليبرالية عبر وكلائها الداخليين، لتنفيذ  مشروعها الشرق الأوسط الجديد، الدول العربية التي انتهجت يوماً ما النظام الاقتصادي المخطط والموجه وذا التوجه الاشتراكي، بدءاً من احتلال العراق بذريعة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وبدأت بما سمي (الربيع العربي) بدءاً من  تونس، وشملت كلا من مصر وليبيا واليمن وسورية، بالرغم من تبني أنظمة تلك الدول قبل ذلك بسنوات نظام اقتصاد السوق الحر، بتوجيه وإرشادات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أدوات النظام الرأسمالي العالمي، إلا أن ذلك لم يشفع لها، فأسقطت قادة بعضها بشكل سلس وباتفاقات ضمنية كتونس ومصر، وأسقطت النظام الليبي بالتدخل المباشر ووكلائها من المليشيات المسلحة، وأدخلت ليبيا في حرب داخلية دمرت البنية التحتية وكل المكتسبات التي تحققت للشعب الليبي طيلة سنوات حكم معمر القذافي، كما أشعلت حرباً طائفية مدمرة في اليمن، وأطاحت بحاكم السودان عمر البشير بانقلاب عسكري، بالرغم من تقسيمه السودان إلى دولتين كما أرادوا، واستجاب لشروط صندوق الدولي والبنك الدولي، وباتت هذه الدول تستورد القمح بعد ما كانت من الدول الأساسية لإنتاج القمح، إلا أن ذلك لم يشفع لها، وها هي ذي النيو ليبرالية تجني ثمار مخططاتها في سورية، فقد دمرت كل ما كان يتعلق بالنظام الاقتصادي الموجه والمخطط (رأسمالية الدولة) الذي كان سند الطبقة الكادحة، التي باتت تشكل أكثر من 80 بالمئة من الشعب السوري، حتى بات الجميع يطرح سؤالاً دارجاً في الشارع: وبعدين!؟ وأنا أسأل الطبقة الكادحة التي فقدت مكتسباتها، التي حققتها الجهود النضالية المضنية لأسلافهم من المناضلين: وأنتم إلى أين؟

العدد 994 - 26/01/2022