حول مسيرة الديمقراطية

يونس صالح:

الديمقراطية بأبسط معانيها ليست عقيدة، بل فكر إنساني، فالعقيدة ثابتة، والديمقراطية متغيرة ومتشكلة على شاكلة المجتمع ومؤسساته، بل هي فوق ذلك ليست ثابتة الآلية في المجتمع الواحد على مر الزمن، هذا ما أثبتته دراسات تاريخ الأفكار السياسية. وعندما نتحدث عن تاريخ الأفكار السياسية فإن كلمة تاريخ تبدو لنا أكثر أهمية من كلمة سياسة، فتاريخ الأفكار السياسية غير قابل للانفصال عن تاريخ المؤسسات وعن تاريخ المجتمعات، وعن تاريخ الأحداث والعقائد الاقتصادية، وعن تاريخ الفلسفة والأديان، وعن تاريخ الأدب والتقنيات. باختصار عن مسيرة متكاملة من التطور الثقافي والإنساني.

ودون الإبحار في تاريخ الديمقراطية كمفهوم وممارسة تاريخية طويلة، فإن المتفق عليه هو أن الممارسة الديمقراطية الحديثة قامت على قاعدة العقد الاجتماعي، الذي يحدد آليات الحكم بين الفرقاء في مجتمع محدد، هذا العقد الاجتماعي مليء بآليات تصحيح الاختلالات التي تحدث بين الناس في المجتمع الواحد، والتي هي دائماً موجودة وشبه طبيعية. فلابد من سلطة مرتضاة توجد للتحكيم بين هذه المصالح المختلفة. إن الديمقراطية هي أن يكون هناك توازن بين المصالح المختلفة في المجتمع، وعلى الرغم من كل الاحتياطات التي انتبه إليها مفكرو السياسة من أجل بناء مؤسسات سياسية قادرة على تنظيم المجتمع وحكمه لتحقيق مصالح الأغلبية، فإن هذا التفكير المثالي لن يتحقق، فهناك العديد من العوامل التي تتدخل لحرف تلك الأهداف عن مواضعها، فهناك بنى اجتماعية يتم التثقيف الداخلي فيها على أساس أهمية العلاقات العائلية أو الفئوية أو القبلية، وأن مصير الفرد ومصالحه متوقفان على تلك العلاقات، وتؤثر هذه الأفكار تأثيراً كبيراً في اتخاذ الفرد لقراراته السياسية.. وغالباً ما تتخذ هذه القرارات على ذلك الأساس، وهناك أيضاً النموذج الاقتصادي السائد في المجتمع، فالمجتمع الرعوي أو الزراعي تسود فيه علاقات سياسية مختلفة فيما بينهما، وهي مختلفة عن العلاقات المجتمع الصناعي.. فالمشاكل السياسية التي يتحتم على هذه المجتمعات حلها مختلفة بالضرورة، ولكن يبقى الاعتقاد ثابتاً في المجتمعات التي لا تكون السلطة فيها مؤسساتية تقوم بحل المشكلات السياسية – التي لابد قائمة- بشكل سلمي، فسوف تعيش مناخآً من الحذر والشك والتنافس غير المقنن.

لقد واجهت شعوب عديدة في طريقها إلى بناء المجتمع المدني أصعب فترات الانتقال، وهي الانتقال من القبلية إلى الدولة، وكان هذا الانتقال يفترض نظرياً وجود بيئة تعيش فيها جماعات إنسانية، وسيادة مقبولة من الجميع ورقابة تهدف لتوظيف الفائض المجتمعي ليكفي الكل.. تلك هي الظروف المادية، وهي مهمة لتفسير التحول من القبيلة إلى الدولة، ولكنها غير كافية بحد ذاتها أو جازمة للتحول، فالتحول يستمد أساسه من ثورة في العقليات، وهي العملية الأصعب والأطول زمناً.

لقد شكّك لفترات طويلة عبر التاريخ في قدرة الديمقراطية على تقديم حلول معقولة للمشكلات السياسية التي تواجهها الشعوب، وكان هذا التشكيك في مختلف العصور ولمختلف الأسباب، ويعود ذلك بقدر كبير إلى أن البعض يفهم أن الممارسة الديمقراطية مطلوبة لذاتها، وهنا الإشكالية المعقدة في ممارسة هذا النوع من الحكم في البلدان النامية، فهي – أي الديمقراطية- بأشكال ممارساتها المختلفة عبارة عن جسر لبناء المجتمع المدني، ويوكل إلى هذا المجتمع المدني الكثير من المسؤوليات، إنها اعتراف بأن الشعب قادر على ممارسة حريته والقيام بواجباته، إنها تطبيق للمساواة المبتغاة.

أشكال كثيرة من الممارسات غير الديمقراطية تركز على أيديولوجية المساواة، ولكن نهجها معاكس لنهج الديمقراطية، فهي مساواة العطاء من الدولة وتحكّم الدولة، بشخص فرد أو حزب، في كل مصادر الثروة والسلطة مما يؤدي إلى نتائج عكسية، بينما الديمقراطية تسعى لبناء المجتمع المدني ومؤسساته، وإلى أن تكون القرارات أولاً وأخيراً بيد الشعب.

 

العدد 987 - 30/11/2021