الإنسان العربي.. القيمة المُهملة عربياً والمستثمرة غربيّاً !!

محمد نذير جبر:

طَوِّر إنسانك تُطوِّر كل شيء!

الأمر بهذه البساطة، لكن الأنظمة العربية ترفض حتى تجريب هذا الأمر، لأنها متمسكة بطبيعتها المتخلفة كأنظمة أبوية تمارس الوصاية والتحكّم. وبرغم أن هناك بلداناً كعددٍ من دول الخليج تُجسّد نموذجاً عن الاستقرار النابع من رضا المواطن عن مستوى معيشته وأداء المؤسسات العامة تجاهه، إلّا أن البلدان العربية التي يُفترض أنها تجاوزت مرحلة الملكيات إلى مرحلة أسمى: (جمهوريات ودول) و برغم ثراء النزر اليسير منها، تخشى تطور الإنسان الذي يتلازم بالضرورة مع مطالبته بالمزيد من الكرامة الإنسانية عبر إطلاق حريات التعبير في الإعلام وسواه كخطوة أولى، ممّا سيُعرّي وسيضغط على الطبقات الفاسدة المتنفذة التي توهم قيادات البلدان العربية أنها الحاشية الحامية لها، وأن المساس بها هو خطوة نحو زعزعة الاستقرار الاقتصادي والأمني.

إن (الزعبرات) الخاصة بالمتعيشين على موائد الفاسدين وحيتان الاحتكار ممّن يُقدَّمون على أنهم محللون سياسيون وإعلاميون، تلك (الزعبرات) التي تعارض بفجاجة نظريات متفق عليها كـ(هرم ماسلو) للاحتياجات البشرية، حيث الإبداع والابتكار والريادة تأتي جميعها بعد تأمين الاحتياجات الأساسية كالطعام والاستقرار والشعور بالأمان.. إضافة إلى عشرات النظريات الأخرى التي توضع في قمة أولويات قيادات دول العالم المتحضّر.. أوربا ترى الإنسان العربي مغنماً في الوقت الذي يتمُّ فيه إهمال العرب المُهجّرين بفعل أحداث الجحيم العربي، والذين تصفهم الطبقات المُتنفّذة بالبيئات الحاضنة للإرهاب، تستقبل دول أوربية وغربية كثيرة تلك العائلات، ولم نسمع إلى الآن عن تنظيمات إرهابية أو عمليات إرهابية قام بها قرابة مليوني مُهجّر من الذين استقبلتهم ألمانيا على سبيل المثال، وفي الوقت الذي يطالب فيه كثيرٌ من علمانيي بعض البلدان العربية أنظمتهم بعدم ترميم المساجد المهدمة لأنها منابع للإرهاب وفق زعمهم، وبرغم معرفتهم أنها كلها كانت مراقبة أمنياً.. تترك الدول الأوربية المسلمين يفتتحون المساجد في أوربا ولا تخضعها للرقابة الأمنية كما يفعل العرب. ذلك أن الدول الأوربية تؤمن بالإنسان وتعرف كيف تزيل دوافع السلوك العنفي، وأن أي إنسان إذا أتيحت له الفرص لعيش كريم والتمتّع بالعدالة الاجتماعية فسيصون البلد الذي منحه هذا ويُخلص له.

إن كثيراً من الدول التي استقبلت اللاجئين العرب تؤمن بأنهم تحديداً أناسٌ يقابلون الإحسان بالإحسان، وأحلامهم صغيرة بسيطة مقارنة ببقية شعوب العالم بسبب اضطهادهم على مدى التاريخ من قبل تلك الدول الأوربية ذاتها التي لا تحترم الإنسان إلاّ إذا كان ضمن جغرافيتها أو من قبل الأنظمة العربية المستبدة. جميعنا رأى وسمع بالنجاحات التي يحققها العرب في الغرب، إن أوربا تقتنص الطاقة البشرية العربية كما كانت تطمع بأشكال الطاقة الأخرى التي نمتلكها ضمن ثرواتنا الباطنية والطبيعية. إن جوهر المشكلة أن جُل الأنظمة العربية يتم تضليل قياداتها، وتصريف شؤونها من قِبل طائفة واحدة، ألا وهي طائفة عبدة المال الذين (وطنهم جيبهم) كما يقول أحد الأدباء، وبالتالي لا يتم النظر إلى الإنسان بوصفه إنساناً وإنما بوصفه (بقرة حلابة) بينما نرى أفواج المُهجرين الوافدين إلى أوربا وغيرها يستقبلون كما كان الأنصار (سكان المدينة المنورة) يستقبلون المُهجّرين من مكة، إن ثقة المسؤول الغربي كبيرة بالوافدين العرب، فهو بمثابة المنتحر سياسياً إن صدر عنهم الإرهاب الذي يُتهمون به. إن منظر آلاف العائلات الأوربية في كثيرٍ من موانئ ومطارات أوربا يستقبلون العرب بالورود ويحملون الدُمى والحلويات للأطفال، تؤكّد أنه حتى المواطن العادي البسيط يراهن على إنسانية العرب وأن الإحسان للإنسان واحترامه ومنحه الأمان واحتضانه سيجعله مهما كان ماضيه مجهولاً بالنسبة لك، يرتقي ليصبح شريكاً لك في الوطن.

العدد 987 - 30/11/2021