حول نزعات عصر التنوير

يونس صالح:

إن عصر التنوير- أو الأنوار- هو العصر الذي هيمنت عليه النزعات الثلاث: الإنسانية، والعقلية، والعلمية، والذي جرى فيه إعادة تأسيس العقل الأوربي على أسس جديدة نتيجة للتطورات العلمية والحضارية التي جاءت بعد نهاية العصر الوسيط، هذه الأسس مثّلت النقلة النوعية الحضارية التي حولت أوربا ثم العالم الغربي وبقاعاً أخرى من العالم الآن، من تجمعات قمعية ظلامية يغيب عنها التفكير العقلاني والعلمي، وتنتشر فيها الخرافة والوهم، إلى مجتمعات مدنية حضارية يُحترم فيها الإبداع العقلي الحر، وحرية البحث العلمي، وشقت طرقاً مختلفة من التطور، وأصبحت تقود العالم علمياً واقتصادياً وتكنولوجياً وسياسياً.

فأين نحن من نزعات عصر التنوير الثلاث: الإنسانية، والعقلانية، والعلمية؟

فالنزعة الإنسانية غائبة عندنا بشكل عام، فلا وجود لاحترام حقوق الإنسان على جميع الأصعدة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية، وهناك تقسيمات عرقية وطائفية تميز البشر وتصنفهم تصنيفات مختلفة، وتقيّم الإنسان بناء عليها، وبالتالي فهو يحصل على ما يستطيع إذا كان ينتمي إلى فئة مهيمنة، أو تمنعه من أدنى حقوقه إذا كان لا ينتمي إليها، كما أن مظاهر القمع السياسي والتهميش الاقتصادي والتفاوت الاجتماعي والتمييز في كل شيء تقريباً هي المعايير السائدة في النظرة إلى الإنسان والتعامل معه وتقييمه، ويغيب أي شكل مؤسسي يحافظ على حق الإنسان أو المواطن في وطنه، وإن وجدت التعابير والقوانين فهي شكلية أو مفصلة وفق مصالح الفئات التي تحكم من أحزاب أو أفراد. هذه التصنيفات للبشر في مجتمعاتنا لا يوجد فيها احترام حقيقي للإنسان، وأدت إلى غياب الحس والتعامل الإنساني بين كثيرين إلى درجة وصلت إلى القتل على الهوية، كما حدث في الحرب اللبنانية وعندنا أيضاً، أو ظهور التطرف والتعصب الذي لا يعرف أصحابها وزناً ولا قيمة للإنسان.

وإذا جئنا للعقل فهو يفتقر إلى أبسط مظاهر الحرية، فالعقل يُبنى من مسلمات غير قابلة للنقاش، أو يربّى تربية دوغمائية موجهة لأحزاب أو أطراف تحكم وتخضع لأشكال مختلفة من السلطة الفكرية والسياسية، ولا يُبنى حسب تفكير العصر وثقافته، إذ تعمل نظم التعليم في الغالبية الساحقة من الدول العربية على التلقين وإلغاء دور العقل في الإبداع والنقد.. كما أن العقل مقيد بالعديد من الأفكار الموروثة غير القابلة للنقاش، أي جرى إخضاعه لأنظمة فكرية مؤدلجة، يبحث في أمور وقضايا الواقع من تلك الزاوية، فضلاً عن مظاهر التعصب والتزمت، التي لا تعطي أي وزن للعقل. بمعنى أن العقل معطّل في ثقافتنا ومحاصر إما بأفكار أو أدوات قمع ألغت أي دور له في البحث والتحليل واستكشاف ما هو جديد. فأصبح كل من يفكر بعقل حر إما شاذاً عن المجتمع أو غريباً عنه وعن طريقة تفكيره.

وإذا أتينا إلى النزعة العلمية، فهذه تكاد تكون غائبة تماماً عن ثقافتنا الدارجة، والنزعة العلمية هنا يقصد بها تلك الطريقة العلمية في التفكير التي نتجت عبر التطور العلمي منذ بداية العصر الحديث حتى اليوم. إنها الطريقة المتقدمة في معالجة القضايا والمشاكل التي يواجهها الجميع في مجتمعاتهم، والمعتمدة على الواقعية والتنظيم والموضوعية والتجرد من الأهواء والمصالح، والاحتكام للعقل في حلها ومعالجتها.

ومع الأسف فإن ذلك غير متحقق في الثقافة العربية التي تسود فيها طرق التفكير المضادة للتفكير العلمي، بل سخّر بعضهم النتائج والنظريات العلمية في خدمة أفكارهم عبر التأويلات المختلفة لها وألبستها طرق التفكير الغائية أو المؤدلجة، بمعنى إلباس العلم مظاهر ثقافة غير علمية، لخدمة الاعتقادات السائدة القائمة على أسس غير علمية.

هذه النزعات الثلاث هي التي ساهمت في التطور الحضاري والإنساني الذي قاده المفكرون والفلاسفة في الغرب، والتي نحن بأمس الحاجة إليها.

إن الالتفات إلى الواقع الثقافي والنظر غليه بعين نقدية فاحصة، تضع أمامها تلك النزعات الثلاث التي تمثل الأرضية السليمة لأيّ تطور ثقافي وفكري حقيقي، هو المطلوب الآن من المفكرين والمشتغلين في الفكر بالعالم العربي.

إن المطلوب هو العمل على استخدام الأدوات الفكرية التي تعمل على تغيير العقلية السائدة وما تتضمنه من أفكار عفى عليها الزمن، وبما يتلاءم مع واقعنا، والعمل على ابتكار الأدوات التي يمكن أن تساهم في ذلك. وتعود أهمية الاستفادة من خلق أو ابتكار أدوات أو مناهج فكرية إلى أنه لا يمكن تحقيق نهضة فكرية حقيقية يكتب لها الاستمرار التطور، بما يتلاءم مع المتغيرات الجارية في العالم، إذا غابت الأسس النظرية والمنهجية التي تستند إليها. ولعل خير شاهد على ذلك تلك النهضة الفكرية والثقافية التي شهدها العالم العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى ما بعد منتصف القرن العشرين بقليل، والتي خبت لعوامل عديدة أبرزها -حسب رأيي- هو غياب المنهجية والأدوات الفكرية المحلية التي طرحت أفكار النهضة والتغيير، مما أدى إلى غياب التأصيل النظري والمنهجي للأفكار التي سادت في فترة ازدهار الثقافة العربية.

إن نجاح أي مشروع فكرية وبناءه على أسس وأدوات فكرية ومنهجية، لا يمكن أن يأتي إلا من خلال وجود العقلية الحرة والمبدعة التي تنطلق من أسس عقلانية يغيب عنها أي شكل من أشكال الذاتية، وتتحرى الموضوعية في تناول الأفكار ونقدها، وتنطلق من فهمها لواقعها بما يتطلبه من تغييرات فكرية أو ثقافية. وفي حال القفز على ذلك، وتلبيس الواقع أفكاراً ليست من ثوبه، فسيغيب الإبداع والتطوير الحقيقي، وسيدخل العقل في متاهة الانفصام من جديد.

 

العدد 994 - 26/01/2022