جرائم الشرف مستمرة بدعم العرف الطاغي على القانون

إيمان أحمد ونوس:

من المعلوم جيداً أن مجتمعات الشرق العربي والإسلامي تخضع لضوابط العرف والدين أكثر ممّا تخضع للقانون المدني أو الوضعي، وهذا ما يجعلها ماضية في الشكل القبلي في مجمل علاقاتها (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و… الخ) ذلك الشكل الذي ساد زمناً غير قصير إلى أن جاء الاستعمار الذي أدخل بعض المفاهيم عن شكل الدولة وأُسسها ونظامها، إضافة إلى الحركات التنويرية والإصلاحية في معظم هذه الدول، وهذا ما أدى بدوره إلى بدء التلاشي الظاهري للعلاقات القبلية في المجتمع (مع بقائها ضمنياً)، فقد حلّت الأسرة الكبيرة أولاً، ومن ثمّ تقلّصت إلى نواة الأسرة المكونة من الأبوين والأبناء فقط.
ولكن، ورغم كل التغييرات المذكورة، بقي الاحتكام في حلّ النزاعات والخلافات في كثير من الأحيان يجري تحت مظلّة الأعراف القبلية والدينية أكثر ممّا هو للقوانين الوضعية التي شرّعتها الأنظمة الحديثة في تلك البلدان، وعزّز هذا الوضع أن تلك الأنظمة اعتمدت في دساتيرها الفقه الإسلامي مصدراً للتشريع إلى جانب القوانين الوضعية التي تحكم حياة الناس.
من هنا نجد أن التغييرات المنشودة في بعض القوانين تحتاج وقتاً ليس بالقصير حتى تتجذّر في أذهان الناس وممارساتهم اليومية، باعتبارها وافدة على ما تمّ التعارف عليه في الحياة المجتمعية. وهذا ما يتضح تماماً فيما يُعرف بجرائم الشرف، تلك الجرائم التي وقفت ضدّها الحركة النسوية السورية وكل نشطاء المجتمع ومثقفيه، وقد أطلق موقع نساء سورية في عام 2005 ومعه موقع ثرى (الحملة الوطنية لمناهضة جرائم الشرف في سورية) ممّا ألقى الضوء على تلك الجرائم المحمية بالقانون كالمادة 192 والمادة 548 من قانون العقوبات، فدعت الحملة إلى إلغاء تلك المواد. وهذا ما دفع بالحكومة ربما مرغمة وتحت تأثير ضغط هذه الحملات إلى عقد الملتقى الوطني لمناهضة جرائم الشرف في دمشق عام 2008 الذي أقامته الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون مع وزارتي العدل والأوقاف. هذا الملتقى الذي تمّ فيه الإعلان عن رفض كل الأديان لتلك الجرائم، وبالتالي انتفاء الداعم الديني لها. وعليه فقد صدر في عام 2009 المرسوم رقم 37 الذي ينص في مادته الأولى على إلغاء المادة 548 ويُستعاض عنها بالنص التالي: يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على ألاّ تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل.

غير أن هذا المرسوم لم ينهِ أو يحدّ من تنامي ارتكاب هذه الجرائم ما دعى إلى صدور المرسوم رقم 1 للعام 2011 والذي عدّل مدة العقوبة من سنتين إلى مدة تتراوح ما بين خمس إلى سبع سنوات لمرتكب هذه الجريمة. وهكذا إلى حين صدور القانون رقم 2 لعام 2020 القاضي بإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات المتعلقة بمنح العذر المخفف بـ (جرائم الشرف) إلغاءً نهائياً ممّا يُحيل تلك الجرائم إلى جنايات يعاقب عليها القانون بجرم القتل بلا عذر مُحِلّ أو مُخفّف.

ولكن، هل منعت كل تلك القوانين والمراسيم أو حدّت من حدوث تلك الجرائم الخالية في غالبيتها من كل ما له علاقة بالشرف حقيقة، جرائم واقعة على خلفية رفض العديد من الفتيات الزواج بمّن تفرضه عليهن الأسرة، أو على خلفية تقاسم الإرث أو التمرّد على القيم والتقاليد التي تمنع الفتاة/ المرأة من ممارسة حقوقها الطبيعية في الحياة، وهذا ما تُطالعنا به أخبار الحوادث المنتشرة على وسائل التواصل أو مواقع الحركات النسوية والمدنية.

هنا نرى ونلمس أن العرف الاجتماعي مهما كان متخلّفاً يسود على القانون مهما كان متطوراً، وأن التغيير المنشود يحتاج إلى وقت طويل وضحايا أكثر من فتيات ونساء يرفضن قيماً تُعزّز ظلمهن والتمييز ضدّهن. وهذا يجعلنا نقول إن التعديلات والتغييرات التي طالت بعض القوانين المدنية والدينية على أهميتها وضرورتها، لا يمكنها الوصول إلى المستوى الذي يفرضه قانون مدني عصري ينظم مختلف العلاقات الاجتماعية والأسرية، ومواكبة مختلف المتغيّرات لاسيما فيما يخص قضايا حقوق المرأة بما كفله الدستور والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

العدد 987 - 30/11/2021