جرائم تخلّف وذكورية

ريم داود:

نحيا كبشر متمتعين بفطرة الاجتماع التي توفّر لنا كل ما نحتاجه من رغبات ودوافع وحاجات نلبي من خلالها ما نريد متناغمين فيما بيننا نحو هدف واحد يسعى له الجميع هو غريزة البقاء. نعم، غريزة البقاء التي تفرض علينا أنماطاً متنوعة ومتعدّدة من الشخصيات والطباع وما فرضت على أصحابها من ميول واتجاهات، فمنهم من اتخذ من الإجرام نمطاً لحياته بهدف إثبات وجوده غير مدرك أن هذا الطريق الذي سلكه طريق ضعف ووضاعة وخلل بالتفكير والنمو والإدراك. لكن ماذا لو كانت تلك الجريمة مختلفة الشكل والمضمون، متفرّدة وليست بهدف سرقة، أو دفاع عن النفس، أو حتى سدّ رمق أو إسكات جوع؟ إنما الهدف منها غسل عار، أو انتقام، أو حتى إثبات وجود؟!

جرائم الشرف: حسب تصنيف هذه الجرائم هي جريمة يرتكبها أحد الأفراد الذكور في أسرة ما تجاه أنثى أو مجموعة من الإناث من الأسرة ذاتها لأسباب غير شرعية ولا تستوجب القتل، لكن العقلية الذكورية والتخلّف الفكري والجهل المستفحل يدفع بالذكور نحو هذا الفعل. ولخوفهم من تمرّد الأنثى وخروجها عن سيطرتهم يلجؤون للوحشية كرادع للعنصر الأنثوي. وإيماناً منهم بأنهم قوّامون على النساء يستغلون هذه الفكرة بالشكل والطريقة الخاطئة، مع العلم الشديد أن النساء إن أردن قوّمن بلاداً بحالها. أما المؤسف في الأمر فهو أن يُقْدم والد إحدى الفتيات أو أخوها على قتل (ضلعه) وهدر دمه الذي يجري في عروقها بروح ميتة وقلب أبرد من الصخر، وفكر شيطاني بعيد عن كل إيمان فرض علينا الحفاظ على روح خلقها الله وأنعم عليها بالحياة. كيف يستطيع أب سهر، وتعب، وربّى، ان يقتل ابنته، هذا إن كان يرى فيها الابنة؟ كيف يستطيع أخ كبر، وتربّى، ولعب، ونال حنان أخت أن يقدم على قتلها؟

الأسئلة كثيرة لكن الشواهد أكثر، فكلنا يعلم حجم الألم والإجرام الذي يمارس ضدّ فتيات العالم العربي وخاصة العشائر منها، لكن ماذا لو قُلِبَتْ الآية لوهلة، واتخذت النساء سلطة مطلقة تصبح فيها قوّامة على الرجال، تمارس النساء من خلالها العنف والقتل والاضطهاد تجاه أيّ ذكر يعارض مبادئها ويخالف اعتقاداتها؟ هل سيكون الأمر مريحاً للذكور؟ هل سيشعرون بالسرور والاطمئنان؟ عن كم القلق والخوف والحيرة أتحدث أيها الذكر. هل وقف أولئك المجرمون دقيقة صمت فكّروا فيها بعواقب ما يفعلونه تجاه روح حرّة خلقها الله؟ بالتأكيد لم يفعلوا، لكن الله سيسألهم يوم الحساب حيث لا ينفع فيها الندم.

جرائم الشرف في القانون: ممّا لاشكّ فيه أنه مع التعديل الذي طرأ على القانون عام ٢٠١٩ تمّ إلغاء ما يُسمّى بجرائم الشرف لتصبح جريمة مثل أي جرم يعاقب عليها القانون، أمّا اللافت في الأمر والمحيّر في هذا القانون ذاته الثغرات التي تُمكّن أي إنسان من الالتفاف وفعل ما يريد تحت اسم القانون!!

صحيح أنه تمّ تعديل المادة 192 من قانون العقوبات، لكن القتل بذريعة الشرف ما زال مستمراً بدفع وتأييد من العرف الاجتماعي الذي يسمو على الكثير من القوانين الوضعية، فإلى متى سنبقى نحارب فكراً ذكورياً متجذراً إلى هذا الحد؟

العدد 987 - 30/11/2021