منجزات إمبريالية بألوان عولمية

الدكتور سنان علي ديب:

كما كلنا يغَش بالطبل ويكتشف أنه فارغ وثقب صغير يحوله لصورة بلا فاعلية، وبدول تنظّر بالإنسانية والقانون وحقوق الإنسان، وتكشف ممارساتها أنها أكثر من ينتهك الحقوق، أو بنخب مختلفة تتصدر الإعلام ويظهر واقعها وتاريخها قزامتها ونفاقها. والإنسانية والديمقراطية كذلك خُدعت الأغلبية العظمى العالمية كدول وأفراد بما سمي العولمة ومناقبها وفوائدها وما ستجلبه للإنسانية من خدمات ومساواة وعدالة، فلم تكن العولمة بأنواعها المختلفة ثقافية فكرية اجتماعية اقتصادية سياسية عسكرية وأوبئتها وأدواتها المختلفة إلا جسرًا للوصول إلى مرحلة بانت معالمها وهي سيطرة الولايات المتحدة الامريكية على العالم والتحكم به، بالاستناد على أدوات لكل دوره المحدد المبرمج، فكما قالها بوش من ليس معنا فهو ضدنا، وكما صرح أبرز مفكريها بنهاية التاريخ وصدام الحضارات والفوضى البناءة هي الغاية أي التدمير وإعادة البناء الفوقي والتحتي كما تقتضي مصالح الزعيم الأمريكي، وكما يصرح المستنيرون منهم: من الفوضى ينبثق النظام! وتكون كل الادعاءات التي انبهرت بها شريحة من النخب اللا منتمية مجرد كذب ونفاق لجماعة غايتها ضرب المنظومة الأخلاقية المتكرسة عبر سيرورة تاريخية وتمازج وتلاقح روحاني وفكري وحضاري بدواعي اللليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لتصل إلى السيطرة والتحكم وتستبيح كل شيء ويكون تنفيذها استبدادياً ديكتاتورياً واستمراراً لعمليات السلب والنهب وقتل القيم وتحطيم الهويات الوطنية وتشويه الأخلاق وحرفها وتكريس عادات سيئة وتسطيح الأفكار وتنميط عالمي خطير وتسليع كل شيء: الثقافة، الرياضة، الفن، حتى الإنسان لم ينج من تسليعهم، وكله عبر استثمار الفضائيات ووسائل التواصل والتضليل الإعلامي والأدوات التابعة، وتصبح كل دول العالم في الفضاء والحضن الامريكي وبدرجات مختلفة وأدوار متغيرة ومتنوعة، وكانت تسير بلا عراقيل ولا مطبات وكيف لا وهي تسير بانجرار وسط انبهار وانقياد وعدم المواجهة كان العنوان، وتنتصر بالضربات القاضية عبر استعمال كل الأسلحة المحللة والمحرمة بالعلن والخفاء، فكيف لا وهي من شوهت الأديان وحاولت ومستمرة بحرفها عن المسار الروحاني، وعبر التضليل الإعلامي المسيطر على الفضائيات وعبر قتل التجمعات فكرياً وروحياً وتكون الغاية بث الفوضى العارمة وسط مجتمعات فردية أنانية قتلت فيها الروح الجماعية وروح التعاون وأي صلابة في مجتمعات قوض فيها الدور الرئيسي لمؤسساتها الوطنية ومنع تدخل الدولة وعبر تهشيم وقلب مفاعيل أدوات التنمية وفرض نموذجها وتغيير الدول التي انتهجت العدالة الاجتماعية والأنظمة الشمولية الاشتراكية بالقوة كما حدث في يوغسلافيا والعراق، وكما حصل ويستمر لدينا، وعبر التفرد والتمرد والتنمر على المجتمع الدولي بحصارات وخنق تتزاوج مع أدوات فاسدة تابعة لها فتتحول لفرض أجنداتها من قوتها العسكرية لتحريك الآخرين بالأدوات واستخدام مخابراتها وتناقضات الدول وقدراتها، وبذلك جاءت مرحلة بلا معايير ولا ضوابط ومؤسسات تدعي الأممية وهي دمى وتنتصر في هيمنتها وسط ضجيج إعلامي وتنظيري لخطورتها وخطورة مشاريعها والتقليل منها وهذا هراء.. العاقل يعرف أن مواجهة مشروعها عقلاني وحماية من الأسوأ ولكن عبر دواء مناسب يعاكس ما كرسته عولمتها من انحلال اخلاقي وانانية وفردية وقوى تابعة وتشويه البنى المختلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتدمير التنمية والبنيان والإنسان ومن يعمل لتحصين داخله والإنسان يواجه مشروعها ويحمي مستقبله وتكون مفاوضتها أسهل.

للأسف المشروع الأمريكي ما بعد العولمي أممي ومواجهته يجب أن تكون أممية، ولكن ما نجده هراء وتبعية وتخاذل ضد الإنسانية وضد الحرية وضد الأديان وروحانيتها، ومن يدعي مواجهته شريك أو يحاول الاحتواء والاختباء لأدوار لاحقة ولكن لم يعرف أنه سيكون الضحية اللاحقة لحكم الغرف المظلمة، وهذا يستدعي مواجهات وطنية ضمن بر امج تعاكس ما دمرته وضللته وفرضته ومستمرة بالتدمير لضرب الأمن الغذائي والاجتماعي والاقتصادي والأمن الإنساني.

وهو غير صعب في حال توافر النوايا والإرادات. عنوانها علني لا مكان لإيديولوجيات أو روحانيات أديان جامعة يعتمد عليها لمواجهة مشروعها.

هي الآمر الناهي ولا تريد التحكم بالنفط والطاقة فقط وإنما بخطوطه وكميات إنتاجه، تريد مسك كل الخيوط عبر التهديد بالفوضى الذي هو المستنقع الذي نشأت به بلا تاريخ ولا جذور ولا حضارة.

أمركة العالم نتائجه كارثية ومواجهته أضمن وأقوم من تنفيذ الإملاءات بلا أي رفض وللمواجهة أدوات وتنظيف أي بلد من الأدوات التابعة لها.

ما وجده العالم من عقوباتها وحصارها وخنقها يدل على كيان يستعمل أي شيء لاستمرار هيمنته وسلبه ونهبه.

 

العدد 993 - 19/01/2022