أمريكا وتكرار السياسات الفاشلة

د. صياح فرحان عزام:

إن تعبير (ثقافة الأعاصير) نشأ مع تكرار اجتياح الأعاصير المدمرة لمناطق ساحلية أمريكية، فتهدم بيوت ويتشرد سكانها، إلا أن هؤلاء السكان اعتادوا الثبات على العيش في أماكنهم نفسها مع تغيير نمط المعيشة، وذلك ببناء بيوت خشبية رخيصة الكلفة تحل محل البيوت التي دمرها الإعصار، ثم العودة إلى السكن في المناطق ذاتها بعد عودة الحياة الطبيعية.

هذه الثقافة دعت عدداً من المفكرين والكتّاب لتشبيهها بسلوك ثابت للسياسات الخارجية الأمريكية، أي أن ساسة ومسؤولي الإدارات الأمريكية المتعاقبة يعيدون تطبيق السياسات نفسها التي فشلت في السابق، وخير مثال على ذلك:

الثبات حرفياً على التعامل مع عدة دول في العالم بمقاييس لا تتغير أطلقوا عليها ما يسمونها (القيم الأمريكية)، ويريدون تطبيقها بالشكل نفسه على هذه البلاد، وتشمل (إعادة بناء الدول، وتغيير الأنظمة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان)، رغم اختلاف ثقافة المجتمعات وتقاليدها وطبيعتهاة ما بين دولة وأخرى ومجتمع وآخر.

ومع العلم بأن هذه القيم أو المبادئ لحقها الكثير من التحريف والضربات والتشويه، تجسد ذلك كله داخل الولايات المتحدة نفسها من خلال تزايد الشكوك لدى قطاعات أمريكية واسعة في حقيقة الديمقراطية الأمريكية، وانتشار وباء العنصرية المنافية لحقوق الإنسان، خاصة في عهد الرئيس السابق ترامب، فقد زادت الفجوة عمقاً واتساعاً عقب الهجوم على الكونغرس في شهر كانون الثاني الماضي.. وأعقب هذه الشكوك تساؤلات مرتبطة أصلاً بالنظام الديمقراطي الذي من المفترض أن يعمل لمصلحة الشعب في مختلف أوجه حياته، وهذا ما تحدثت عنه صحف أمريكية بأن الدولة تقاعست في التصدي لجائحة كورونا من خلال التقصير في بناء المشافي والمراكز الصحية، ولجوئها إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين في المجال الصحي.

وتعقيباً على ذلك نشر الكاتب فيليب ستيفنس مقالة تحليلية قال فيها: إن قدرات الدولة على إنجاح سياستها الخارجية تتطلب أولاً إدارة سياسية، وهذه الإدارة السياسية تبدأ من متانة الداخل وقوته.

والواقع أن الداخل الأمريكي يشهد المزيد من التمزق المجتمعي وغياب عوامل إنجاح السياسات، وفي مقدمتها التوافق بين قطاعات الرأي العام وبين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري في الوقت نفسه.

أيضاً طالت الشكوك النخبة التي يسمح لها النظام السياسي بدور كبير ومؤثر في صناعة السياسة الخارجية وإدارتها، وكانت الانتقادات قد طالت النخبة في الآونة الأخيرة ومسألة التركيز على ثباتها في تطبيق سياسات قد فشلت من قبل فشلاً ذريعاً، ودون أن تحدث تغييراً جاداً ينقلها إلى سياسات جديدة تتواءم مع الظروف المتغيرة، الأمر الذي خلق لدى الرأي العام شعوراً بالاشمئزاز، وأنه يدفع ثمناً باهظاً لتصرفات تكون نتائجها وتداعياتها كارثية من أرواح أبنائه، ومن إنفاق للتريليونات من الدولارات على حروب عبثية في الخارج. وقد وصل الأمر أمام هذا الثبات على السياسات الخارجية الخاطئة إلى درجة ارتفاع أصوات لمن كانوا من النخبة، ثم جرى استبعادهم من المشاركة في صنع السياسات، ومن العمل في وزارة الخارجية، وهو ما عبّروا عنه في مقالات في بعض الصحف الأمريكية، بأنهم استبعدوا بسبب رؤاهم المعرفية المستقلة وخبراتهم المتميزة المبنية على دراسات معمقة، ومعارف دقيقة وموضوعية بأوضاع الدول الأخرى، ولم يقتصر الأمر على استبعادهم من العمل الدبلوماسي، بل تم تجاهل خبراتهم المتراكمة وعدم الاستفادة منها.

الصورة على هذا النحو بدأت تثير قلق الخبراء والمختصين بالسياسة الخارجية من حيث إعادة تطبيق السياسات نفسها التي أثبتت الأحداث فشلها. وهنا تجدر الإشارة إلى التعبير الذي استخدمته منذ عدة سنوات مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة حين قالت: (إن سياسة أمريكا الخارجية صارت مثل لوحة تشكيلية ثابتة الخطوط والألوان، يعاد استخدامها كل فترة في تكرار للصورة القديمة نفسها).. هذا كله دفع عدداً من المختصين بعلوم السياسة إلى تشبيه الأداء السياسي الأمريكي الثابت على النهج نفسه، بثقافة الأعاصير.

 

العدد 981 - 20/10/2021