حفاوة الاستقبال والترحيب.. صبرا وشاتيلا

د. أحمد ديركي:

تشتهر المجتمعات القبلية بالحفاوة والاستقبال والترحيب بالضيف، وعلى اعتبار أن المجتمعات العربية ما زالت قبلية البنية فتشتهر بالترحيب بالضيوف، وهذا ما تدل عليه أمثلتها الشعبية مثل (الضيف ضيف الله).

لكن عندما يكون المضيف قاتلاً لا يعترف بأن ضيفه إنسان بل مجرد كائن مضر يجب القضاء عليه، كيف يكون إكرام المضيف؟

يقول خالد الجلاهمة، سفير دولة البحرين إلى الكيان الصهيوني في لقاء خاص مع (إسرائيل تتكلم العربية) بعد يوم من وصوله إلى فلسطين المحتلة: (نشكر الحكومة والشعب الإسرائيلي على حفاوة الاستقبال والترحيب…).

نذكر ببعض من صفات المضيف الذي يشكره الجلاهمة:

الثلاثاء 14 أيلول 1982

تم اغتيال بشير الجميل، الذي انتخب رئيساً للبنان تحت حماية الجيش الصهيوني ورئيس ميليشيا الكتائب، وبلحظة تلقيه الخبر أرسل الجيش الصهيوني طائرتي هليكوبتر فيها أطباء وفرق مكلفة برفع الانقاض. وعُثر على جثة ممزقة باعتراف ضباط صهاينة.

طبعاً مع عدم نسيان أنه في هذا التاريخ كان جيش الاحتلال الصهيوني يغزو بيروت، لاستكمال الحلقة ولمزيد من فهم من هو المضيف يرجى العودة إلى مقال (جمول.. قهرت من لا يُقهر) المنشور في جريدة النور بتاريخ 29/9/2021 العدد 978، وهنا من المفيد إضافة معلومة مفادها أنه في 13 أيلول أي مع بداية غزو بيروت ومقتل الجميّل غادرت بيروت الدفعة الأخيرة من القوات الدولية (الفرنسية) وذلك قبل 10 أيام من انتهاء مدتها في بيروت!

مثّل اغتيال الجميّل ضربة قاسية للكيان الصهيوني، فالجميّل كان عدواً لدوداً للفلسطينيين ولليسار بعامة وحليفاً أساسياً للكيان الصهيوني. ففي مقابلة له مع مجلة (النوفيل أوبسرفاتور) الفرنسية بتاريخ 25 حزيران 1982، أي قبل أشهر من انتخابه، يقول الجميل: (في الشرق الأدنى شعب زائد، هو الشعب الفلسطيني)، ويقول رئيس الأركان في الجيش الصهيوني الجنرال إيتان، المعروف بـ(برفول) بعد اغتيال الجميّل: (لقد كان واحداً منا). فكان اغتياله حجة لدخول الجيش الصهيوني إلى بيروت، وسميت خطة غزو بيروت بـ(الدماغ الحديدي).

الأربعاء 15 أيلول

كثف جيش الكيان الصهيوني من جسره الجوي وأخذت طائرات الشحن من طراز (هركول) تهبط الواحدة تلو الأخرى في مطار بيروت منزلة أطناناً من العتاد العسكري وآلافاً من الجنود من وحدات الجيش النظامي، لا الاحتياط، في جيش العدو.

خلال هذه الاثناء عقد في تمام الساعة الثالثة والنصف صباحاً، أي قبل البدء بغزو بيروت، اجتماعاً في المقر العام (للقوات اللبنانية)، الميليشيا الموحدة لليمين اللبناني أسسها وترأسها بشير الجميل. حضر الاجتماع عن جانب الكيان الجنرالان إتيان ودروري، وتمثلت الميليشيات اللبنانية اليمينة بأهم قادتها، فادي أفرام، القائد العام، والياس حبيقة، والمعروف بإيلي حبيقه، المسؤول عن المخابرات وحددوا مهام (القوات اللبنانية) بمساعدة جيش العدو بغزو بيروت. يقول الجنرال شارون في 22 أيلول أمام الكنيست إن (مبدأ دخول الكتائبيين إلى مخيمات اللاجئين في بيروت نوقش منذ الاجتماع المذكور… وفي نهاية الاجتماع أسرّ أحد العسكريين الكتائبيين للإسرائيليين بالقول: منذ سنوات ونحن ننتظر هذه اللحظة).

بدأ غزو بيروت من خمسة محاور، كما ذكر في مقال (جمول… قهرت من لا يُقهر)، وأتى أريل شارون إلى بيروت في التاسعة صباحاً ليدير العملية بنفسه وأرسل المزيد من قواته إلى بيروت وكانت أولى المهمات تجريد جميع القوى اليسارية من أسلحتها، لأن القوات الفلسطينية كانت قد رُحلت من بيروت باتفاق دولي، والحفاظ على قوة المليشيات اليمينية الحليفة للكيان.

منذ ظهر الأربعاء 15 أيلول طوقت الدبابات الصهيونية مخيمي صبرا وشاتيلا وأقامت حواجز تسمح لهم بمراقبة كل ما يجري وبدأت تطلق نيران مدفعيتها على المخيم. مترافقة مع وابل من القنابل المضيئة بشكل مستمر أنارت المخيمات لمدة 40 ساعة بلا توقف، ووفقاً لأحد الجنود الصهاينة كانت وحدته تطلق صاروخين مضيئين من عيار 81 ملم بالدقيقة، واستخدم الطيران أيضاً لإطلاق القنابل المضيئة، وتقول تينيك أولوف (ممرضة هولندية) إنها لا تتذكر أنها رأت المخيمين مضاءين بهذا الشكل وهي التي عاشت في بيروت طوال فترة حصارها. وفي وقت لاحق أفاد الدكتور بر مايهلومشاجن، طبيب متخصص في التجبير وعلاج الكسور، أن اوائل الجرحى كانوا حوالي 15 شخصاً وصلوا إلى مستشفى غزة، في مساء يوم الأربعاء، ومنعت الحواجز الصهيونية المحيطة للمخيم سكان المخيم من الخروج منه.

الخميس 16 أيلول

وصل جيش الاحتلال لأول مرة في تاريخه إلى عاصمة دولة عربية في ظل صمت عربي ودولي. وفجر صباح هذا اليوم استيقظ سكان المخيم على هدير الطائرات المحلقة على ارتفاع منخفض وقوات الكيان مطوقة المخيم ترميه بقذائف دباباتها والتلال المرتفعة المحيطة به.

بدأت استعدادات الكتائب لاقتحام المخيم بعد أن مهد له جيش الكيان بالقصف المدفعي. وكانت التحضيرات على مستوى القادة بين قوى اليمين اللبنانية والكيان قد تمت في اليوم عينه في لقاء في مقر القيادة العامة الصهيونية حضره الجنرال إيتان شارحاً لليمين مهماته، وبحضور الجنرال سانيي، رئيس المخابرات العسكرية الصهيونية، ورئيس قسم الأمن الداخلي. وعند الظهر استقبل الجنرال دروري في قيادته العامة رئيس (القوات اللبنانية) فادي أفرام وسأله إذا كان رجاله مستعدون للدخول إلى صبرا وشاتيلا فأجابه أفرام: (نعم وحالاً) فمنحه الصهيوني الضوء الأخضر. وعند الساعة الثالثة التقى الجنرال أموس يارون والياس حبيقة وفادي أفرام لوضع اللمسات الأخيرة للاقتحام. ومن بعدها اتصل دروري بأريل شارون قائلاً: (أصحابنا يتقدمون في المخيمين. لقد نسقنا عملية دخولهم). أجاب شارون (تهانينا، تمت الموافقة على عملية أصحابنا).

وكان الصهاينة يعلمون، رغم نكرانهم المستمر، بما يريد أن يقوم به اليمين اللبناني في حال سمح له بالدخول إلى المخيمين، فقد ورد في مجلة أسبوعية (باماهانا) الناطقة بلسان الجيش الصهيوني بتاريخ الأول من أيلول 1982، (أي قبل المجزرة بأسبوعين) ما يلي: (ضابط إسرائيلي كبير سمع العبارة التالية من فم ضابط كتائبي: السؤال الذي نطرحه على أنفسنا هو: بماذا نبدأ؟ هل نبدأ بالاغتصاب أم نبدأ بالقتل؟ سيف المسيحيين وبنادقهم سيلاحقونهم في كل مكان وسيبيدونهم عن بكرة أبيهم).

انطلقت قوى اليمين اللبنانية تحت قيادة الياس حبيقه من المطار باتجاه المخيم متتبعة الاسهم والاشارات التي تلقتها من جيش الكيان لاقتحام المخيمين.

من هو إيلي حبيقة؟ بدأت اتصالاته مع الصهاينة في عام 1976 عندما أوفده بشير الجميل إلى الجنوب بطلب من الكيان الصهيوني، وخلال عمله هناك قتل عدداً من المقاومين اللبنانيين والفلسطينيين إضافة إلى عدد من المدنيين، فقرر الصهاينة إعادته لوحشية سلوكه. والمفارقة في كل هذا أنه في ما بعد استلم مناصب نيابية ووزارية عدة في الدولة اللبنانية، وتحول اسمه من قائدة مجزرة صبرا وشاتيلا إلى (أبو علي حبيقه) وأصبح حليفاً.. لمن يحمل لواء الدفاع عن القضية الفلسطينية!

دخلت القوات اللبنانية مخيمي صبرا وشاتيلا تحت قيادة إيلي حبيقه وبمباركة صهيونية، وبدأت مجازر القوات اللبنانية، التي استمرت 40 ساعة من الذبح والقتل المستمر، في المخيمين، وكانت بداياتها في حي عرسال المواجه للقيادة العامة الصهيونية والتي تبعد ما لا يزيد عن 200 متر عن الحي، و500 متر عن المخيمين، أي يمكن مشاهدة ما يجري بالعين المجردة.

أطلقت (القوات اللبنانية) النار على كل من يتحرك، حطموا أبواب المنازل وقتلوا كل من فيها، كثيرون قتلوا في أسرتهم أطفال وشيخوخ ونساء كلهم للذبح والقتل. ولم يكتفوا بقتلهم بل قطعوا أعضاء ضحاياهم وحطموا رؤوس الأطفال الرضع على الجدران، اغتصبوا النساء والفتيات قبل أن يقطعوهم بالفرّاعات.. وأحياناً كانوا يتركون واحداً من أفراد العائلة حياً ويقتلون بقية عائلته ويغتصبون من فيها من النساء أمام عينه ليخبر عما شهده. قتل كل من في المخيم بغض النظر عن جنسيته!

صبية لبنانية كان يعيش أهلها في المخيم روت أن والديها ركعا أمام القتلة ويقولون لهم: (نحن لبنانيون) فكان جواب القتلة: (لماذا إذاً عشتم مع هؤلاء الأوغاد؟ سيكون مصيركم مثل مصيرهم). ثم قتلوا كل أفراد العائلة، تاركين هذه البنت وحدها.

في منطقة حرش ثابت قتلوا كل أفراد عائلة المقداد، وهي عائلة لبنانية. كانوا 39 فرداً قتلوهم جميعاً ذبحوا البعض وبقروا بطون البعض الآخر، وأطلقوا النار على البقية، ومنهم زينب – بعمر 29 سنة – وهي حامل في شهرها الثامن. قتلوا أولادها السبعة ثم بقروا بطنها وأخرجوا الجنين ووضعوه على ذراع أمه القتيلة…

لقد اغتصب القتلة عدداً كبيراً من النساء في هذا الحي قبل أن يقتلوهن ويمددوا جثثهن العارية على شكل صليب، وإحدى المغتصبات كانت بعمر السنوات السبع.

لم تكتف القوات اللبنانية، بإشراف الصهاينة وتحت مراقبتهم، بهذا، بل عملوا على سرقة ما يمكن سرقته، فقد عُثر على أيدي نساء مقطوعة عند المعصم لسرقة ما في أيديهن من أساور.

الكيان الصهيوني يعلم بما يجري من مجازر في المخيمين، فقد روى ممرض (اسرائيلي) أن عدداً من الجرحى تمكن من الوصول إلى وحدته الطبية، وكان من بين الجرحى طفل عمره 9 أشهر وفي ظهره رصاصة. ويؤكد الممرض أنه علم من الشخص الذي نقله أنه كان آخر فرد من أفراد عائلة أبيدت بكاملها. وفيما بعد أبصر كتائبي الطفل الميت، فقال: (تريدون التخلص من هذا الطرد؟ سأرميه في الزبالة.) وقال الممرض أنه أدرك عندئذ أن مجزرة حقيقية تجري، وأكد أنه بادر إلى إبلاغ رؤسائه.

الجمعة 17 أيلول

استمرت المجزرة والصهاينة يراقبون ويروي جنود صهاينة كانوا على بعد 100 متر من المخيم أنهم استطاعوا أن يشاهدوا بوضوح إعدام المدنيين على أيدي الميلشيات، وقد رفعوا تقاريرهم إلى السلطات العليا. ودخلت قوات كتائبية جديدة إلى المخيمين من الباب الجنوبي والغربي مجهزة بسيارات جيب زودها بها الجيش الصهيوني وشاحنات وجرافات.

المجزرة مستمرة ولكن بوتيرة أسرع فبدل الفأس والساطور للقتل والتقطيع استخدمت الأسلحة الرشاشة، لأن الوقت بدأ ينفد، والخبر بالانتشار. وذلك على أثر إخلاء الأطباء والممرضين الأجانب العاملين في مستشفى عكا وبعد وصولهم إلى الصليب الأحمر الدولي بدؤوا بالإخبار عما شهدوه من مجازر.

انقسم رجال الميليشيات اليمينية داخل المخيمين إلى مجموعات صغيرة من 5 إلى 6 أفراد لملاحقة من يهرب ويطلقون النار عليه ويخرجون العائلات من مخابئها ويقتلون جميع أفرادها، وهناك من يقف بجانب أكوام الجثث ليطلق النار مجدداً على كل ما يتحرك بها، ولتأكيد القتل كانوا يرسمون بسكاكينهم علامة الصليب على كل جثة.

في ظهيرة هذا اليوم اقتحم رجال الميليشيات مستشفى عكا، الواقع بالقرب من مخيم شاتيلا. قتلوا عدداً من المرضى والجرحى في أسرتهم، وعدداً من العاملين فيه والسكان المختبئين فيه. واغتصبوا الممرضات ومن بينهم الممرضة انتصار إسماعيل – 19 سنة – اغتصبت عشرات المرات على التوالي وقد عثر على جثتها فيما بعد مشوهة لدرجة أنهم لم يتمكنوا من التعرف عليها إلا بواسطة خاتمها. وأجبروا 40 شخصاً على الصعود إلى الشاحنة وحتى تاريخه لم يعثر على أحد منهم، وقتلوا طبيبين فلسطينيين هما: علي عثمان وسامي الخطيب، كما قتلوا موظفاً مصرياً وحاول البعض الهرب إلى الحاجز الصهيوني الذي يبعد 200 متر عن مستشفى عكا فألقى الكتائبيون عليهم قنبلة قتلت منهم 3 أشخاص وجرحت رابعاً.

ومن ثم قامت مجموعة منهم بقيادة الجرافات وأعدت حفرة كبيرة وألقت بعدد من الجثث فيها. إضافة إلى هدم البيوت على ساكنيها الذي بدأ منذ اليوم الأول لارتكاب المجزرة.

انتشر الخبر والقوات اللبنانية تسرع في مجزرتها والصهاينة يحمونهم، فقد حاول أكثر من صحفي الدخول في هذا اليوم إلى المخيم، ولكنهم منعوا. ويقول مراسل مجلة (نيوزويك) إن حاجزاً مشتركاً من قوات حداد والإسرائيليين منعه من الدخول وأحد رجال حداد قال له: (لا تستطيع أن تدخل الآن لأننا نذبحهم) وأن الضابط الصهيوني أخبره أنه تلقى الأوامر بعدم إزعاج الكتائبيين وهم يقومون (بمهمة تطهير المخيم).

السبت 18 أيلول

المذبحة مستمرة عند الفجر وسوف تستمر حتى منتصف الصباح.

الجرافات تدفن الجثث والأشلاء في حفرة عميقة. في الساعة السادسة صباحاً الكتائبيون يصيحون في مكبرات صوت (سلم تسلم) تجمع الاطفال والشيوخ والأطفال في الشارع واقتادوهم، ثم فرقوهم إلى مجموعات صغيرة طلب من المجموعات الوقوف مقابل جدار ويُطلق عليها النار، ثم تأتي الجرافة تهدم المنازل على من فيه وتطمر الجثث الظاهرة منه.

عند مخرج المخيم وقف فريق كتائبي ليفرق بين اللبنانيين والفلسطينيين، ثم أمروهم بالجلوس وأطلقوا عليهم النار. كما كانوا قد وضعوا تحت بعض الجثث قنابل يدوية كي تنفجر وتقتل أفراد عائلات الضحايا عندما يأتون ليتعرفوا على مفقوديهم.

بعد ذلك، حوالي منتصف النهار اقتربت الدبابات الصهيونية لتكون إشارة لإنهاء المجزرة، وهذا ما كان.

دخل الصحفيون والجيش اللبناني والمؤسسات والهيئات و… إلى المخيمين، وهذا بعض ما كُتب:

كتب مراسل (الواشنطن بوسطن) عند دخوله إلى المخيمين: (بيوت بكاملها هدمتها الجرافات وحولتها إلى غبار، في حين كان سكانها لا يزالون في داخلها. جثث مكدسة فوق بعضها أشبه بدمى لا حياة فيها، ألقيت هناك لا أحد يعرف من أين. وفوق هذه الجثث تشير الثقوب التي تظهر في الجدران إلى أنهم أعدموا رمياً بالرصاص. في حديقة صغيرة ترقد امرأتان كأنهما كيسان من القمح بالقرب من الركام التي يخرج من تحت رأسها طفل ذي عيون متحجرة. وبالقرب منهم طفل آخر لا يزال مقمطاً، وقد هشم رأسه وألقي على ظهره. على الجانب الآخر وفي شارع مسدود صغير، عثرنا على فتاتين، الأولى عمرها حوالي 11 سنة والثانية عدة أشهر. كانتا ترقدان على الأرض، وسيقانهما مشدودة، وفي رأس كل منهما ثقب صغير…)

وفي مقال آخر (… ويكتشفون مئات الاجسام المبعثرة والأوصال والأعضاء المقطعة. أم تضم طفلها اخترقت رأس كل منهما رصاصة واحدة. نساء عاريات قُيدت أيديهن وأرجلهن خلف ظهورهن. رضيع مهشم الرأس في بركة من الدم وإلى جانبه مصاص من الحليب. على طاولة الكوي، بالقرب من أحد البيوت، قطعوا أعضاء رضيع وصفّوها باعتناء بشكل دائرة ووضعوا الرأس في الوسط…)

ومن مقال آخر: على جدار لا يزال واقفاً في بيت انهارت كل جوانبه، عُلقت صور بعض القديسين لا شك أن سكان البيت مسيحيون ولا شك أنهم هم أيضاً قتلوا.

انتهت المجزرة وكانت الردود الرسمية كما يلي: في الكيان الصهيوني رد الناطق العسكري على الصحفيين الذين طرحوا عليه الأسئلة قائلاً: (لا نعرف شيئاً عن هذه المجزرة المزعومة…)، وقبل منتصف الليل أصدرت وزارة خارجية الكيان بياناً تقول فيه إن (إسرائيل تدين المجزرة).

وصنفت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا على أنها (من أبشع وأفظع المجازر التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية).

الأحد 19 أيلول

لا تزال الجثث في شوارع المخيمين وتحت الأنقاض وفي الحفر التي ردم فيها مئات منها والرائحة تنبعث من المخيمين لتصل إلى أبعد من حدود المخيمين، لكن لم يشمها أحد من أنظمة العالم العربي ولا العالمي.

عدد الذين ارتكبت بحقهم المجزرة ما زال مجهولاً ولكن التقديرات الأولية تفيد أن هناك ما بين 3000 و3500 رجل وطفل وامرأة قتلوا خلال 40 ساعة بين 16 و17 و18 أيلول 1982.

وفي صباح الأحد صدرت الصحف اللبنانية وصور المجزرة تغطي صفحاتها الأولى. لم تتجرأ أي صحيفة على توجيه الاتهام إلى الفاعلين وكانت عناوينها على النحو التالي:

صحيفة لوريان لوجور: مجزرة مخيفة في صبرا وشاتيلا

صحيفة النهار: مجزرة في صبرا وشاتيلا ضحيتها مئات القتلى

صحيفة السفير: مجازر في المخيمات

الصحيفة الوحيدة التي تجرأت وقالت ما يجب أن يقال كانت جريدة النداء، جريدة الحزب الشيوعي اللبناني، وكيف لها أن تفعل غير هذا وهي صحيفة حزب أطلق (جمول). وكان عنوان الصفحة الأولى: أبشع مجازر الصهاينة في المخيمات. ووضعت على كامل الصفحة صور للمجزرة وكتبت بخط عريض على كل الصفحة (النازيون).

أنتخب امين الجميل، أخو بشير الجميل رئيساً للجمهورية اللبنانية، ونفى أن يكون للكتائب أي دخل بالمذبحة واتهم الكيان. وقررت (القوات اللبنانية) تعيين لجنة تحقيق موازية للتحقيق العسكري الذي قررته الدولة اللبنانية، وعينت (القوات اللبنانية) إيلي حبيقة رئيساً للجنة التحقيق!

وكان مراسل التفلزيون الصهيوني دان سيماما قد أجرى بعد المجزرة لقاء مع ضابط كتائبي اسمه ميشال، وحينها كان عمره 24 سنة، وميشال أحد مرافقي ومساعدي إيلي حبيقة، وسأله سيماما: هل اشتركت بعمليات قتل نساء وأطفال في صبرا وشاتيلا؟ أجاب: قتل النساء؟ أنتم تعملون قصة من لا شيء. سأظل أقتل ما استطعت من الفلسطينيين ولمدة سنوات طويلة. أنا شخصياً قتلت 15 في المخيمين، ولم أنته بعد. إنني أكرههم ولا أعتبر نفسي قاتلاً… وكانت هذه المقابلة قد أجريت في استديوهات تلفزيون العدو التي أقيمت في بيروت (الشرقية).

النتيجة واضحة: الجلاهمة، وأمثاله ممن يمثلون أنظمة عربية مثلهم مثل من ارتكب مجزرة صبرا وشاتيلا. فها هو المضيف الذي يمتدحه الجلاهمة وأمثاله. فلا أهلاً ولا سهلاً بالنسخة العربية الجديدة من اليمين اللبناني.

كل ما ورد في المقال موثق لكن هل هناك من ينفض الغبار عن هذه الوثائق لتعمم وتكشف الحقيقة؟

العدد 981 - 20/10/2021