لا حياة في مجتمع شبابه مُهجّر ومهاجر

إيمان أحمد ونوس:

يُعتبر الشباب في أيّ مجتمع الرقم الأهم والأساس في معادلة المواطنة والتنمية والإبداع على مختلف المستويات، بما يملكونه من مرونة الفكر والعقل والقوة البدنية المؤهّلة، إضافة إلى المحاولات الدائمة لابتكار أساليب وأنماط جديدة من حيث التعامل مع قضاياهم الخاصة أو قضايا المجتمع العامة. والمواطن حسب التعريفات الدولية، هو الإنسان الذي يستقر بشكل ثابت داخل دولة يحمل جنسيتها، ويكون مشاركاً في الحكم، خاضعاً للقوانين الصادرة عنها، متمتّعاً بشكل متساوٍ مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق، مُلتزماً بأداء مجموعة من الواجبات اتجاه الدولة والمجتمع.

ولكن، إذا ما نظرنا إلى واقع الشباب السوري اليوم، هل نجد أن صفات المواطن تلك متطابقة مع حاله؟ هل يشعر بالاستقرار والأمان ضمن الدولة التي يحمل جنسيتها؟ هل يتمتّع بأبسط حقوقه كما يقوم بواجباته المفروضة عليه من الدولة؟ وهل يمكنه حقيقة المشاركة ولو بتقرير مصيره بعيداً عن المشاركة في الحكم؟ تساؤلات كثيرة تخطر في بال أيّ إنسان وهو يتابع واقع شباب سورية، بعد سنوات طويلة من الحرب والحصار والعقوبات التي لم تطَل للأسف سوى الشرائح والطبقات الأضعف، التي باتت تمثّل غالبية المجتمع في ظلّ تبعات الحرب وسطوة الفساد ونفوذ تجّار وسماسرة الحرب، الذين ابتلعوا كل ما صادفهم ويُصادفهم حتى اللحظة كالحيتان تبتلع صغار الكائنات البحرية كي تحظى بالسطوة والنفوذ، في تغاضٍ مرعب ومقصود من الحكومات المتعاقبة طيلة عقد من الزمن، ما دفع بغالبية الشباب إلى الهجرة والسعي لها بعد أن آثروا البقاء رغم كل ما جرى خلال الحرب، لأنهم كانوا يقتاتون على أمل نهوض البلاد من قمقم موتها حين تحطُّ الحرب أوزارها، وبأنهم من سيُعلون بنيانها مُجدّداً، فيكونون فيها مواطنين وبجدارة المواطنة الحقيقية التي تحترم قدرات الشباب وطاقاتهم، فتفسح المجال أمام عطاءاتهم وإبداعاتهم.

نعم، لقد اغتالت تلك الحكومات للأسف كل قدرات الشباب وآمالهم، بانتهاجها سياسات اقتصادية واجتماعية وخدمية نابذة وطاردة لهم، فأصبحوا أمام معضلات وأزمات تحاصرهم على مدار اليوم، ما جعلهم يتجرّعون مرارة الإحباط والتشاؤم بسبب شعورهم بالعجز عن تحقيق شيء ذي قيمة مادية ومعنوية، وجعلهم يتسولون الهجرة بأيّ شكل كان، لأنهم فقدوا الرغبة والقدرة على الانتماء حتى لم يبقَ أمامهم طريق آخر غير هجر بلاد ضيّعت أبناءها، فضاع وجودها بين الأمم وباتت هجرة شبابها لاسيما في السنتين الأخيرتين ظاهرة لافتة تتحدّث عنها وسائل الإعلام وترصدها التقارير الدولية التي تُحذّر من مخاطر تلك الهجرات بالنسبة للدولة المحتاجة اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى لكل شبابها وبمختلف انتماءاتهم ومستوياتهم العلمية والمهنية.. في حين كانت الدول الحاضنة لهم هي الرابح الأول والأخير من وجود هذا الكم الكبير من الشباب السوري لديها.

توقع أحد التقارير أن سورية وخلال سنوات قليلة جداً ستصبح البلد العجوز، وستنتزع بجدارة هذا الاسم من أوربا التي حملته طويلاً ولا زالت.

وأضاف التقرير أن خسائر سورية خلال العشر سنوات الماضية من الموارد البشرية والفنية واليد العاملة المهنية الماهرة ورؤوس الأموال لا يمكن تعويضها ولا يمكن تقديرها، وهي تفوق بأضعاف كل ما دفعته سورية في تلك السنوات من دمار في البنية التحتية والعتاد والآليات والمنشآت الخدمية المدنية والعسكرية.

ويتابع التقرير أنه وخلال الأعوام ٢٠١٢- ٢٠١٥ وحسب بيانات صحف وغرف التجارة والصناعة التركية قد دخل إلى سوق العمل في تركيا حوالي ٧٥٠ ألف من العمالة السورية الماهرة في كل الاختصاصات والصناعات الرئيسية والتراثية مثل البناء والنسيج والصباغة والدباغة والطباعة والحفر على الخشب وصناعة الصابون والزعتر والمواد الغذائية والحلويات والفنادق الخ. وبسبب انخفاض أجور هؤلاء العمال والمهنيين قياساً لأجور العمال الأتراك، فقد سعت المعامل والمؤسسات التركية الى الاستعانة بالعمالة السورية المهنية الماهرة والتي فاقت إنتاجيتها بحوالي ٢٥ % الى ٣٥ % حسب التقديرات التركية، وهذا ما انعكس انخفاضاً واضحاً في تكاليف الانتاج والمنافسة السوقية بحوالي ٩٠ مليار ليرة تركية سنوياً، ما أفسح المجال أمام البضائع التركية للمنافسة والتوسع في عمليات التصدير، وهذا ما رفد أيضاً الخزينة التركية بمزيد من القطع الأجنبي ووسع انتشار البضائع التركية والقدرة التنافسية مع دول أخرى في كثير من الصناعات.

تركيا كانت المستفيدة الأكبر خلال سنوات الحرب الأولى من العمالة السورية والمهنية الماهرة،

لحق بها الاتحاد الأوربي وألمانيا في المقدمة وخاصة من الأطباء والمهندسين، تلتها كردستان العراق خلال السنتين الأخيرتين، والآن من جديد تفتح مصر أبوابها للسوريين، والقادم أعظم!!

إنّ اللافت والمثير للانتباه، أنه وحتى الآن لا يوجد أي اهتمام أو دراسة أو إجراءات لوقف هذا النزيف المستمر والمتزايد بشكل كبير جداً وخاصة خلال الأشهر الماضية، وأن القدرة أو الرغبة بالمعالجة غير حاضرة لا على المدى القصير ولا المتوسط!!

وأمام كل هذا الواقع، والإحصائيات التي ذكرها التقرير والتي لا تُشكّل إلاّ نسبة بسيطة ممّا كسبته دول اللجوء التي احتوت الشباب السوري، أليس حريّاً بحكوماتنا أن تتعامل مع تلك الظاهرة بكثير من الجديّة والاهتمام؟ أليس من واجبها ونحن في مرحلة إعادة البناء والإعمار التي تحتاج لجهود كل السوريين أن تعمل على تهيئة المناخ المناسب لاستقطاب تلك الطاقات الشّابة والاستفادة منها، بدل أن تلوذ بدول عرفت كيف تستفيد وتُفيد أولئك الشباب الذين منحتهم كل الإمكانات كي يبدعوا لديها؟

اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى، على حكوماتنا أولاً الإيمان بأن الشباب هم عماد الأوطان ومستقبلها، ومن ثمّ إفساح المجال رحباً أمام من تبقى منهم، للاستفادة من إمكاناتهم وقدراتهم الهائلة من أجل النهوض بالمجتمع والدولة من آلام وخسائر ما جرى كي تكون إعادة الإعمار بأيدي وعقول هؤلاء الشباب الذين آثروا البقاء في وطنهم رغم كل معاناتهم اليومية بسبب بطالة تخطّت النسب العالمية بأرقام مرعبة، ومحسوبيات وسطوة وفساد اغتال كل آمالهم وقدراتهم.

العدد 981 - 20/10/2021