هجرة الشباب.. حرق لقلوب الأهالي وتفريق لشمل الأُسر

محمد نذير جبر:

تعمل كل دولة من أجل تأمين مستقبل أفضل للأجيال الصاعدة، ويجري توظيف السياسة وكل شيء في خدمة الاقتصاد والتنمية ومنح فرص غير مسبوقة لتلك الأجيال، بهدف تحقيق تسارع وتصاعد في التطور.

بما أن العقل البشري لديه آليات للعمل منها المقاربة والمقارنة والقياس، فإن الدول العربية التي هاجر الملايين منها خلال أحداث ما يسمى بـ (الربيع العربي) سيقارن من بقي داخلها بين حالهم وحال أقاربهم ومعارفهم الذين هاجروا، وسيسمعون عن احترام القانون وكرامة الإنسان والأبعاد الحضارية للدول المتقدمة ممّا سيُعزّز تطلعاتهم إلى وطن كريم من جهة، ومن جهة أخرى سيضاعف آلامهم بسبب ذُلُّ عيشهم والابتزاز والتنمّر الذي يتعرّضون له من موظفي دولهم وعناصرها الفاسدين، ويوماً بعد يوم سيتنامى الشعور بالضيق والحنق بسبب المقارنة بين حالهم في بلدانهم وحال معارفهم المهاجرين في البلدان الغريبة، وهذا سيقود إلى هجرات جديدة. فالانغلاق شرط الاستقرار في الدول الاستبدادية، واليوم أصبح الانفتاح أمراً واقعاً، وبارتفاع أعداد المهاجرين العرب أصبح من بقي على اطلاع كامل بكل تفاصيل العيش ورفاهه في دول العالم الأخرى، وقريباً لن نجد مواطناً عربياً سيقبل بأن يكون لكلب صديقه أو قطّة قريبه في سويسرا أو النرويج أو ألمانيا.. إلخ حقوقٌ وحياة لا يحلم بتحصيل مثلها هو وأولاده في وطنهم، وفي أقلّ تقدير الهجرة بسبب المقارنة تكون قد دخلت مرحلة التغذية الراجعة، بمعنى المهاجر يشجّع من بقي على الهجرة.

إن كلمة شباب هي مرادف لكلمة طموح وطاقة وحب للإنجاز وإرادة لإثبات الذات، فكيف يمكن إيجاد مفاعيل أو معادلات موضوعية لكل هذا؟ هل عبر الأجور التي تكاد لا تكفي الشّاب ثمن طعام يومه وعلبة سجائره؟! ما هي الإنجازات المتاحة؟ أن تحصل على ربطة خبز أو ثلاثة كيلو سُكر بعد نضال وصبر على الطوابير التي تبدو بلا نهاية؟ ما هي قيمة أي إنجاز دراسي أو ما شابه ما دامت الأجور متدنية جداً وقد تحوّلت الدول العربية عبر حثالتها الجشعة مُجدّداً إلى الإقطاع والرأسمالية، أي إلى أشكال العبودية المتنوعة.

عندما نرى أن معظم الشبان يطمحون إلى الهجرة في بلدٍ ما على مدى أكثر من عقد من الزمن، فهذا يعني غياب مشروع وطني تنموي، أو وجود مشروع ولكن الفساد يعرقله أو يُقيّده!! ألا يوجد حلول؟! إن مسألة هجرة الشباب مرتبطة بمستقبل البلاد، فالدول التي تسعى إلى المستقبل والتطور تستطيع المحافظة على طاقاتها الشابّة داخلها، أما دول الشعارات والجعجعة والفساد والتي ترسم سياساتها من منطلقات أمنية فهي دول (ستاتيك) جامدة متكلّسة تخشى الانفتاح والمستقبل، وتريد لكل يوم أن يكون كسابقه كي تبقى مستقرة، فهي تخشى التغيير، وتريد مواطناً مطيعاً متواضع الطموحات، مشغولاً بلقمة عيشه كي لا يتطلّع إلى بقية حقوقه الدستورية ويطالب بها. أما إذا توهم الشباب أن الحل يمكن أن يأتي من خلال الدول الاستعمارية التي تزعم أنها ترعى وتنشر الليبرالية والتطور والحضارة، فقد جاء ما يسمى الربيع العربي كدليل بيّنٍ على كون قوى الاستعمار والاستبداد أكبر داعمين للحركات المتخلّفة المتطرّفة الرجعية.

وبالمحصلة نحن اليوم أمام نوعين من الأنظمة العربية: أنظمة تعمل على تنمية اقتصادية حقيقية بهدف خلق فرص عمل وتحسين مستوى حياة الفرد، ودول عربية أخرى لا تمانع هجرة أعداد كبيرة من الشباب كي تستفيد من الحوالات المالية بالقطع الأجنبي التي سيرسلها هؤلاء.

إن الجحيم العربي أعطى فرصة لهذه الأنظمة المتخلّفة كي توغل أكثر في تخلّفها القائم على مسائل كثيرة كتقديم الولاءات على الكفاءات، وعلى امتهان كرامة الإنسان وانتهاك حقوق الناس بالجملة خلافاً لدول الغرب التي تكاد مكاتب حقوق الحيوان فيها تُعلن عدم وجود حيوانات محتاجة، وتكاد تُفتَتح فيها مكاتب لحقوق الحشرات، خاصة بعد القرارات التي منعت المبيدات الحشرية لصالح ما يسمى بـ(طارد الحشرات).

وبالعودة إلى الأنظمة العربية، لم ينشأ مكان الأنظمة الساقطة سوى نسخة عنها مع استثناءات قليلة جداً، وعليه ستبقى مسألة هجرة الشباب قائمة بزخمها المعهود.

العدد 981 - 20/10/2021