وصّلني على أي بلد واتركني وانساني!

ريم داود:

(وصّلني على أي بلد واتركني وانساني! ناطرينك يا ابني بس تزبط أمورك.. تتهنّوا بهالقعدة! أنا مستحيل فكّر أرجع لهون.. إي ما صدّقت طلعتلي الفيزا!)

هكذا أنهى أحد الشباب مشهد الوداع بينه وبين عائلته وأصدقائه منطلقاً بخطاً تسابق الزمن، وكأنه سجين نال حكم الإعفاء، بهجة وسرور غمرت ذلك الشّاب لحظة الإعلان عن انطلاق رحلته، ومع دموع والدته ألقى سلامه الأخير ودخل بهو صالة الركاب في المطار حيث قاعة الانتظار، وهي تعلم أنه لن يعود ثانية، فما من مهاجر عاد.

*هجرة الشباب السوري: لقد أضحت هجرة الشباب السوري ظاهرة اجتماعية مستفحلة وخطيرة، فبعد أن تجاوزنا مرحلة الهجرة السريّة بقوارب الموت، بدأت الهجرة القانونية تلوح في الأفق مُستقطبة ذوي الكفاءات وحاملي الشهادات من خلال تأشيرات وعقود عمل نظامية وتسهيلات لم تكن متوفرة في السابق. واللافت في الأمر أن هجرة الأدمغة ليست بظاهرة جديدة على أحد، لكن المؤسف هو ما نشهده اليوم من هجرة جماعية للأدمغة وأصحاب المهن والعلماء والكفاءات والمختصين، بحثاً عن ظروف معيشية أفضل وبيئة سياسية واجتماعية أكثر استقراراً، بهدف الحصول على فرص عمل برواتب عالية تمكّنهم من تحقيق طموحاتهم بما يتناسب مع إمكاناتهم وتحصيلهم العلمي.

أما عن أسباب هذه الهجرة فقد أصبح الأمر أوضح من الشمس: فقر، بطالة، انعدام للخدمات الاجتماعية، ارتفاع غير مسبوق بأسعار السلع والمواد، وانحدار اقتصادي لم نشهد له مثيلاً، أضف إلى كل ما ذكر سابقاً الخدمة الإلزامية التي باتت شبحاً يلاحق الشباب، ففي كل يوم نشهد أعداداً جديدة وتزايداً للمهاجرين مع اختلاف الأسباب التي تدعوهم لذلك، والتي تنقسم إلى أسباب طاردة وأخرى جاذبة.

أما الطاردة منها فتتمثّل بالحروب والنزاعات وانعدام الاستقرار السياسي والأمني، وكذلك قلّة الإمكانيات المتاحة وانحدار المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وتراجع مستوى العلم والتعليم وعدم الاهتمام بالعلماء والمتفوقين، وعدم توفير الظروف الملائمة لهم في بلدهم الأم.

أما الجاذبة منها فلها علاقة بالبلد المُضيف، فهي تعمل على إنعاش البلاد اقتصادياً، علمياً، مهنياً واجتماعياً، وتتمثّل في التقدم الاقتصادي والعلمي والاجتماعي، المستوى المعيشي اللائق، التقدم التكنولوجي الذي يسعى له كل متعلّم ومثقف، الاستقرار السياسي والأمني وهذه هو الأهم بالنسبة للمهاجرين. والمؤلم في الأمر هو أن استمرار هجرة الشباب بهذه الوتيرة المتزايدة سيؤثّر بشكل سلبي على التركيبة الديمغرافية للمجتمع، التي تتركّز نتائجها بارتفاع ملموس بعدد الإناث وانخفاض كبير بعدد الذكور، فضلاً عن فقدان الكثير من المهن والمهارات التي يرتكز استمرارها على فئة الشباب من الحرفين والمهنين. أما عن ضرورة الحدّ من هذا الزحف الجماعي نحو البلدان المجاورة أو البعيدة، فلا سبيل إليه سوى بالعمل على خلق جو من الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني الذي يوفّر الراحة والاطمئنان ويساعد جيل الشباب على تخطي جميع العقبات التي يواجهها، كما أنه لابدّ من العمل على إيجاد حلٍ جذري لمشكلة الخدمة الإلزامية التي كانت ولا تزال السبب الأول في هجرة الشباب.

العدد 981 - 20/10/2021