(جمول).. قهرت من لا يُقهر

د. أحمد ديركي:

ظن جيش الكيان الصهيوني عندما اجتاح لبنان وصولاً إلى عاصمته بيروت أنه ذاهب في نزهة عسكرية. كيف له أن لا يظن هذا وهو الجيش الذي لا يُقهر، ويشهد على هذا العديد من الحروب التي خاضها مع جيوش الأنظمة العربية. وكيف له أن لا يظن هذا ونزهته، كما يبدو، متفق عليها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مع الجميع. فقد وصلت نزهته تلك إلى عاصمة دولة عربية ولم يحرك أي من هذه الدول ساكناً سوى الطلب من مستزلميها كتابة نصوص بيانات استنكارية لتذاع على محطاتها الرسمية.

هُزم هذا الذي لا يهزم من قبل أبطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)، التي أطلقها الحزب الشيوعي اللبناني، حزب المقاومة والتحرير والتغيير مع منظمة العمل الشيوعي. في بيان أذاعه الحزبان مثّل تحدّياً للعالم أجمع، وتحدّياً داخلياً ليس لعملاء العدو الداخليين فقط، بل حتى لمن انهزم قبل الدخول في المعركة، ومن أبرز المنهزمين قبل خوض المعركة في لقاء مع جورج حاوي، الأمين العام للحزب في حينها، قال له جورج لنطلق المقاومة فكان الرد من قبل هذا المنهزم يستحيل فـ(العين لا تقاوم المخرز)، ورد عليه حاوي بالقول: (سوف أريك كيف تقاوم العين المخرز).

حزب المقاومة يربط المقاومة بالتحرير وإلا بقيت المقاومة منقوصة العناصر، والتحرير إن لم يكن مرتبطاً بالتغيير يبقى ناقصاً، ومن هنا هو حزب المقاومة والتحرير والتغيير.

للحزب الذي أطلق (جمول) باع طويلة في العمل المقاوم، فتاريخه المقاوم لا يبدأ مع إطلاقه جمول، بل يعود تاريخه المقاوم إلى خمسينيات القرن المنصرم عندما أسس مقاومته لمواجهة الكيان الصهيوني، لرد اعتداءاته عن الجنوب وحماية أهالي القرى الحدودية. و(جمول) شكلها الحزب عندما وصل جيش العدو إلى بيروت، لتقاومه وتدافع عن بيروت وتلاحقه حتى تطرده من كل الأراضي اللبنانية. وكانت جمول أيقونة المقاومة الوطنية التحررية في زمن الصمت العالمي. وهذه سطور من سيرة جمول البطولية:

أغار جيش العدو بتاريخ 27/7/1981 على منطقة الفاكهاني في بيروت فسقط 300 شهيد و700 جريح، وقدم فيليب حبيب لأول مرة إلى بيروت مبعوثاً من كارتر (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الأول للكيان الصهيوني)، لعقد هدنة.

وفي حزيران 1982 اغتيل سفير الكيان في لندن على يد أحد المقاومين الأبطال، فاعتبر العدو هذا الاغتيال خرقاً للهدنة التي عقدها حبيب مع الفلسطينيين في 24 / 7/ 1981. فقام بعملية ضد لبنان باسم (سلام للجليل).

بدأ العدو في 4/6/1982 بغزو منظم للبنان ممهداً بقصف جوي عنيف، ثم دخلت قواته ووصلت إلى بيروت في 16 أيلول 1982، وكانت (نزهته) التي حولتها جمول إلى جحيم على الشكل التالي:

في 5 و 6 حزيران شن جيش العدو هجومه على الجنوب عبر 5 محاور: 1) محور الرشيدية – صور من رأس البياضة 2) محور الغندورية 3) محور الغندورية – القعقعية 4) محور جسر الخردلي – الجرمق 5) محور شبعا – برغر. وفي 8 حزيران اجتاح الشوف عبر محورين 1) البرامية 2) مزرعة الضهر، وحاصر صيدا ولكنه فشل في الدخول إليها بسبب شدة بسالة المقاومين له، وأحبط المقاومون 3 عمليات إنزال للعدو في خلدة. وفي 9 حزيران استطاع المقاومون وقف تقدمه عند عين زحلتا، وأسروا له دبابة في خلدة بعد أن قام بإنزال فيها. وفي 10 حزيران تركزت المعارك في خلده والبقاع الغربي، وأحبط المقاومون عدة محاولات إنزال للعدو. وفي 11 حزيران قتل أحد جنرالاته في معارك الدامور، وفي 11 حزيران انتشر العدو في عين سعادة والحازمية والفياضية والمكلس والجمهور وجسر الباشا والمنصورية، وجميعها مناطق كانت تحت سيطرة اليمين اللبناني المتحالف مع الكيان الصهيوني. وفي 23 حزيران تقدم العدو باتجاه بحمدون الضيعة وقصف بيروت. وفي 24 حزيران سقطت عاليه ووصل جيش العدو إلى بحمدون، واستمر القصف البري والجوي على بيروت (الغربية)، وفي حينها كانت بيروت تقسم إلى (بيروت غربية) و(بيروت شرقية)، والشرقية كانت واقعة تحت سيطرة اليمين اللبناني. وفي 26 حزيران سقط سوق الغرب والقماطية، وأحكم جيش العدو الطوق على بيروت بعد أن شكل حلقات الوصل بين قواته، وبدأ حصار بيروت في 4 تموز: قطعت عنها الكهرباء والماء وخطوط التموين الغذائية والأدوية وغيرها، وبقيت تحت الحصار إلى 4 آب. لم تستسلم بيروت رغم كل ما عانته من جوع وعطش وتدمير وقصف وخيانة دول العالم لها ومشاركتها في ذبح بيروت. بيروت تُغتال والعالم يشاهد اغتيالها بصمت تام من دون أخذ أي إجراء لوقف الاغتيال! بصمود شعبها وأبطالها المقاومين، ومن دون طلب العون من أحد رفضت الاغتيال واغتالت من اغتالها.

في 1 آب تمكن جيش العدو من احتلال مطار بيروت بعد 15 ساعة من القصف المتواصل براً وبحراً وجواً، وتجاوز معدل القصف 3 قذائف في الثانية بمجموع 185 ألف قذيفة و210 غارات جوية (غارة كل 3 دقائق). ظن جيش العدو بعد وحشيته في القصف أنه سوف يقوم (بنزهة) ليدخل إلى بيروت، فحاول في 4 آب اقتحام بيروت من 6 محاور 1) الأوزاعي 2) المطار 3) حي السلم 4) غاليري سمعان 5) المتحف 6) المرفأ، لكن المقاومين الأبطال كانوا له بالمرصاد وأفشلوا محاولات دخوله رغم أنه هاجم بيروت من 6 محاور بعد أن أمطرها خلال 15 ساعة بقصف متواصل بـ 185 ألف قذيفة من البر والجو والبحر.

استطاع دخول بيروت في 16 أيلول، وكانت جمول بانتظاره فحوّلت (نزهته) إلى جحيم وطردته من معظم الأراضي اللبنانية. طردته بقوة أبطالها المقاومين وحررت بيروت وبقية معظم الأراضي اللبنانية من دون طلب أي مساعدة من أية دولة، ولم تخضع لأي شرط أو اتفاقية دولية، لأن الحزب الذي أطلقها حزب مقاوم يحمل مشروعاً تغييرياً على مستوى الوطن ولا يرتهن لأية دولة أو مال سياسي، وكانت عملية صيدلية بسترس ضد العدو في لحظة دخوله.

في 17 أيلول استكمل جيش العدو انتشاره في بيروت، وارتكب بمساعدة اليمين اللبناني مجزرة صبرا وشاتيلا، واستكملت جمول عملياتها ضده ملاحقة إياه في شوارع بيروت من صيدلية بسترس في 16 أيلول، أي منذ دخوله ولغاية طرده من معظم الأراضي اللبنانية.

في 20 أيلول جرى هجوم على جيش العدو بالقنابل اليدوية، فقتل جندي وجرح اثنان آخران، وأكد بيان جمول الأول أن هذه العملية (جزء من نضال كل المقاتلين الوطنيين من أجل طرد الاحتلال وإجلائه عن تراب الوطن).

قالت جمول هذا في بيانها الأول وطبقته عملياً. استمرت في عملياتها ضد جيش العدو حتى أعلن انسحابه المذل من بيروت في 26 أيلول. فانسحب وهو يذيع في مكبرات الصوت (يا أهالي بيروت.. لا تطلقوا النار على جيش الدفاع الإسرائيلي. نحن منسحبون من بيروت). لقد قهرت جمول (الجيش الذي لا يقهر) وأجبرته بقوة مقاوميها الأبطال على الإعلان عن هزيمته العلنية والانسحاب من بيروت، من دون أي قيد أو شرط.

لم تكتفِ جمول بطرده من بيروت، بل استكملت عملياتها ضد جيش العدو في كل لبنان، وفي 3 تشرين الأول نفذت عملية هجوم على باص يقل جنود العدو ترافقه آلية عسكرية في منطقة عاليه، فقتل 6 جنود صهاينة وأصيب 22 جندياً صهيونياً، وفي 14 تشرين الثاني استخدمت سيارة مفخخة للمرة الأولى في عملية ضد جيش العدو في بحمدون، وفي 11 تشرين الأول 1982 نفذت جمول عملية نوعية من ضمن عملياتها النوعية في صور. عملية لا يقوم بها إلا من يحمل فكراً مقاوماً تحررياً تغييرياً. فجّرت جمول مقر الحاكم العسكري الصهيوني، الذي يتألف من مبنى من 7 طوابق يضم المكتب العام للحاكم العسكري ومكاتب المخابرات العسكرية ومراكز سلاح الاشارة والشرطة وحرس الحدود، وقد وصف طبيب صهيوني العملية بأنها (عمل محترف جداً وجداً). وقتل بهذه العملية النوعية 76 ضابطاً وجندياً صهيونياً.

في 21 كانون الأول 1982 كانت بدايات عمليات (مصيدة كامد اللوز). بدأت في وقت طالب فيه العدو بإقامة 3 قواعد عسكرية له في لبنان، لم يستطع تحقيق رغبته لأن (المصيدة) منعته من إقامتها وطردته. وفي 10 نيسان 1983 نفذت جمول 6 عمليات ضد جيش العدو، وفي 29 نيسان 1983 نفذت جمول عملية نوعية في وادي الزينه فأصابت 12 جندياً بجراح خطيرة، وفي 23 أيار 1983 كان لجمول عملية نوعية أخرى فقد أسقطت طائرة هليكوبتر في البقاع الغربي. وفي 3 تموز اعترف العدو بانفجار صواريخ كاتيوشا في (مكان ما) داخل الأراضي المحتلة، فقد هددت جمول أمن الكيان الصهيوني في داخل فلسطين المحتلة. أي أن جمول لم تهزم فقط الجيش الذي لا يهزم، بل هددت أمن الكيان الداخلي وحققت نصرها ليس فقط على الأراضي اللبنانية بل أيضاً في داخل فلسطين المحتلة لتخلق حالة ذعر في داخل الكيان. فكانت جمول أول من أسس لمعادلة (توازن الرعب)، التي تستخدم اليوم.

في 12 تموز كان لجمول عملية نوعية أخرى في منطقة الحاصباني، فاغتالت رائداً في جيش العدو وذكر أنها نفذت 6 عمليات أخرى في اليوم عينه، 3 عمليات في صور وواحدة في الزهراني وواحدة في عاليه وواحدة في النبطية. وفي 31 كانون الثاني 1984 صرحت وكالة يونايتد برس عن مراقبين عسكريين في بيروت أن جمول ضاعفت عملياتها وقالت إن (خسائر اسرائيل خلال الأشهر السبع الأخيرة وصلت إلى 60 قتيلاً على رغم غياب أي تنسيق بين المجموعات التي تقوم بالعمليات).

في 5 آذار 1984 تم تفجير عبوة ناسفة بقافلة جنود كانت تواكب شارون عند عودته من زيارة خط الأولي. أدى الانفجار إلى اصابة عدد غير محدود من جنود العدو واعترف العدو بأن شارون نجا بأعجوبة. وفي 17 نيسان 1984 كتبت صحيفة (واشنطن بوست): (… إن الهجمات وصلت إلى 79 هجوماً خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة غير أن ضباطاً اسرائيليين أكدوا أن هجمات كثيرة جرت ولم يعلن عنها). وفي 13 حزيران 1984 أسقطت المقاومة طائرة هليكوبتر وشوهدت تهوي وهي تحترق في منطقة الزهراني. وفي 7 تموز 1984 وفقاً لجريدة السفير كانت حصيلة (مصيدة كامد اللوز) على مدى شهر ونصف حوالي 30 قتيلاً إسرائيلياً ما عدا العملاء. وفي آب 1984 أعلنت فرانس برس أن شهر تموز 1984 شهد حوالي 70 عملية على الأقل. وفي 23 أيلول 1984 أعلنت فرانس برس (نقلاً عن مصادر عسكرية اسرائيلية أن 3 أفراد من مجموعة فدائية بينهم امرأة فرنسية قتلوا وأسر اثنان أثناء اشتباك مع موقع عسكري للعدو عند الأولي). وهذا ما يشير إلى أممية القضية الفلسطينية، امرأة فرنسية انضمت إلى العمل الفدائي ضد الكيان الصهيوني.

هذه نبذة موجزة عن جمول وجزء صغير من عملياتها البطولية ضد جيش العدو. هكذا كانت جمول ومن معها من مقاومين أبطال قاوموا العدو الصهيوني بمفردهم. هذا هو الحزب الشيوعي اللبناني، حزب المقاومة والتحرير والتغيير. حزب قاوم العدو الصهيوني وحرر معظم الأراضي اللبنانية منه وحمل مشروعه التغييري.

لم يكن لجمول وحزبها أن يحققوا كل هذه البطولات إلا من خلال وجود بيئة حاضنة لمشروعهم المقاوم والتغييري. فتظافرت الظروف وقهرت جمول الجيش الذي لا يقهر وخطت بدماء شهدائها ومناضليها الأبطال أول أسطر كتب المقاومة وتاريخ المقاومة. فجمول ليست بحاجة لشهادة أحد ليشهد على تاريخها المقاوم، وكذلك حزبها، الحزب الشيوعي اللبناني. ولكن هناك من يعمل على تزوير تاريخ المقاومة ويحاول احتكاره ومن يعمل على تزوير تاريخ المقاومة يكون خائناً للمقاومة لا مقاوماً.

العدد 987 - 30/11/2021