نجاح جديد لصالح الصين

د. صياح فرحان عزام:

في سياق محاولات الولايات المتحدة للحد من الصعود الصيني المتعدد الأوجه، يعتبر الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان بالشكل الذي جرى فيه، وسط تخبط المسؤولين الأمريكيين وانهيار الجيش الأفغاني أمام حركة طالبان، رغم الكلفة الباهظة لتدريبه وتسليحه التي وصلت إلى مليارات الدولارات، يعتبر هذا الانسحاب نقطة إيجابية تضاف إلى رصيد الصين، لأن هذه النقطة تمثل خطوة تراجعية أمريكية في المكانة والدور، والسؤال المهم هنا: كيف ولماذا؟

لا شك بأن القوة بمعناها الاستراتيجي هي عملية تجميع ومراكمة نقاط إيجابية، ومن خلال رصد ما يقوم به الطرفان (الصين والولايات المتحدة) يتضح أن حاصل نقاط القوة الصينية يزداد بل يتعاظم، في حين يتضاءل حاصل نقاط القوة الأمريكية. ويعود ذلك إلى عدة أسباب في مقدمتها مبالغة واشنطن في اعتمادها على القوة بمعناها المادي الملموس في إدارة سياساتها الخارجية، ومن دون إيلاء الاهتمام الكافي لقوتها الناعمة، واستخدامها كرافعة لسياساتها وعلاقاتها مع دول العالم، في حين أن بكين تلتزم بمبدأ مهم، وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وتطلق مبادرات تنموية واقتصادية عالمية من دون أية شروط، أو محاولات فرض سياسات معينة على الدول، مثل مبادرة (طريق واحد وحزام واحد) التي تربط الصين بالعالم من خلال مشاريع تنموية عملاقة، ثم إن الصين لا تبالغ بقوتها العسكرية ولا تستخدمها ضد أحد لفرض قيم وسياسات محددة كما تفعل واشنطن، ولا تلجأ الصين إلى استخدام سياسة العصا الغليظة، من خلال التهديد والحصار وفرض العقوبات القاسية، كالتي تستخدمها الإدارات الأمريكية، بحق الدول لإجبارها على الرضوخ للسياسات الأمريكية، ولم تخض الصين حروباً خارجية تكلف إزهاق آلاف الأرواح وصرف مليارات الدولارات وتخرج منها مهزومة، كما جرى لواشنطن في فيتنام وأفغانستان والعراق.

وفي هذا الإطار يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد جوزيف ناي، والمسؤول السابق في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون في أحد كتبه: (إن الصين تمثل تحدياً للولايات المتحدة، وإن الولايات المتحدة لم تعد الوحيدة كقوة عظمى في كل مجال، وعليها أن تفكر بالقوة على أنها تحقيق لأهداف مشتركة تنطوي على قوة الآخرين، ففي كثير من القضايا الدولية يمكن أن يساعد تمكين الآخرين الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها). ويتابع قائلاً: (التفكير بالقوة العسكرية وحدها كما تفعل واشنطن لن يكون كافياً وقد يعطي مردوداً سلبياً).

ويجمع العديد من المحللين السياسيين والخبراء العسكريين على أن المشكلة التي تتحكم بالعقل السياسي الأمريكي هي أنه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في أواخر تسعينيات القرن الماضي، أصيبت الولايات المتحدة بداء العظمة أو بجنون العظمة، وأصبحت ترى أن القوة العسكرية وحدها هي الوسيلة الوحيدة الكفيلة بالإمساك بناصية النظام العالمي، ورفض شراكة الآخرين فيه، ولا تراود صانعي القرار السياسي الأمريكي حقيقة أن القوى في العالم تتغير، وأن التحول في القوة من مكان إلى آخر ممكن جداً، مثل انتقال القوة ومركز الثقل الدولي من الغرب إلى الشرق، فمثل هذه الفكر مرفوض من قبل الساسة الأمريكيين رغم أنه أصبح حقيقة لا ينكرها عاقل، وحتى الآن ترفض واشنطن قبول فكرة أن هناك قوى صاعدة أخرى تستطيع المشاركة في النظام العالمي من دون أن تفكر هذه القوى بإزاحة الولايات المتحدة للجلوس مكانها.

إذاً، هذا التفكير الأمريكي السادي والأناني، وما يحصل من تراجع أمريكي وفشل في السياسات الخارجية، كما جرى مؤخراً في أفغانستان، والذي اقترب من أن يصل إلى حد الكارثة، كل هذا يصب في مصلحة الصين ويضاف إلى رصيد سياستها المتوازنة والبعيدة عن منطق التوسع والهيمنة على الآخرين تحت ذرائع واهية.

الخلاصة، من الواضح أن سياسة الولايات المتحدة سواء كانت إزاء الصين أو إزاء إيران وغيرها من الدول يحكمها الارتباك بعد مسلسل الفشل الذي لا يتوقف لهذه السياسات العدوانية المغامرة.

 

العدد 987 - 30/11/2021