جميعُنا في مركبٍ واحد

عهد بيرقدار:

لماذا يُعتبر النضال في سبيل المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة تحريراً للرجل كما هو تحرير للمرأة؟

غالباً ما نسمع مصطلحات في سياق المساواة تكون غريبة الوقع على النفس في المرات الأولى، كمفهوم النظام الأبوي والجندر وغيرها الكثير. في هذه المقالة سنركز على هذين المصطلحين لتفسير أثرهما السلبي على حياة الرجال وحقوقهم، بعيدا عن التطرق لأثرهما على النساء.

النظام الأبوي يعني النظام الاجتماعي الذي يسمح للذكر الأكبر في العائلة أو القبيلة أن يتحكم بخيارات سائر الأفراد الباقين وحياتهم، إن كانوا ذكوراً أم إناثاً. أما الجندر فيعني الجنس الاجتماعي الذي خلقه البشر للتمييز بين الذكر والأنثى، إن كان بالألوان الموجه لكل منهما، أو بحركات الجسد، أو بردود أفعالهما العاطفية، أو بتوجيه اهتماماتهما، كأن يبدأ الأهل، في فترة الطفولة، بتقديم الباربي للفتيات والسيارات للصبيان، وغيرها الكثير من العادات المجتمعية الجندرية.

لهذا لا يمكن لأي بحث جندري أن يؤخذ بعين الاعتبار ما لم يدرس ويبحث في التأثير الجندري على كلا الجنسيين ذكراً كان أم أنثى. فغالباً تكون الفكرة الأولى التي ترد إلى أذهان من يسمعون بالدراسات الجندرية هي دراسات النساء والبحث في تحصيل حقوقهن وتحقيق المساواة ضمن المجتمعات. ويغيب عن أذهانهم الدراسات الجندرية الموجهة للرجال. ذلك أنَّ الرجال جزء من المجتمع الذي تصارع فيه النساء لتحصيل حقوقهن. وبهذا فإنَّ البحث الجندري عن الرجال مهم لأنه يدرس الرجال بوصفهم جزءاً من المكون الجنساني المحدد ثقافياً للمجتمعات.

فالنظام السلطوي الأبوي والتفكير الجندري يؤثر على جميع أفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً وأطفالاً. فلا يمكننا أن نسعى إلى مساواة حقيقية ضمن المجتمعات إلا عن طريق البحث المتساوي في الأضرار النفسية والاجتماعية المترتبة للتفرقة الجندرية على كلا الجنسيين.

وبما أنَّ النظام الأبوي يؤثر على النساء حول العالم وعلى خياراتهنَّ في الحياة وتحصيل حقوقهنَّ، كذلك الأمر يؤثر نفسياً واجتماعياً واقتصادياً على الرجال. لكن ما مدى إدراك الرجال أنفسهم لهذا الضغط الموجه عليهم نتيجة وجودهم ضمن نظام أبوي سلطوي يفرض عليهم دائماً شروطاً ذكورية ينبغي أن يسعوا لتحقيقها، أو سيكونون خارج الركب ولا يمثلون النظرة المعيارية المثالية للرجال.

في ظل النظام الأبوي والتفرقة الجندرية يزداد توجيه الرجال إلى كونهم القوة والسلطة، لكن الواقع لا يتحمل أن يكون جميع الرجال كذلك، وهذه هي الحقيقة، فنسبة قليلة فقط من الانتهازيين يستفيدون من النظام الأبوي، في حين أن أغلبية الرجال مستضعفين ومظلومين من غير إدراكهم لهذا. فالنظام الأبوي يزيد الضغط على الرجال بكونهم المعيل الاقتصادي للعائلة، فحتى مع خروج النساء للعمل في معظم بلدان العالم لا يزال الرجال هم المسؤولين الوحيدين عن التنظيم الاقتصادي داخل المنزل. هذا الضغط الاقتصادي الذي خُلق بداخلهم نتيجة التربية المجتمعية القائلة بأنهم رجال وأنهم المسؤولون اقتصادياً وعليهم حماية العائلة من الفقر والجوع، سيجعل الرجال في سباق دائم مع الزمن لتحصيل أكبر قدر ممكن من المال. فنجدهم يعملون أوقاتاً طويلة، وفي بعض الأحيان أكثر من عمل، وذلك لتأمين المتطلبات الاقتصادية الكثيرة للعائلة.

وفي ظل الحروب والنزاعات الاقتصادية المتزايدة في العالم يزداد الضغط الاقتصادي على الرجال بوصفهم المسؤولين الأوائل عن تأمين الحالة الاقتصادية للعائلة. فيمكننا أن نجد بسهولة العديد من الرجال مكسوري الخاطر لعدم قدرتهم على تلبية هذا الأمر.

أما في الإعلانات والفيديوهات والمسلسلات فيوصف الرجل القوي المحبوب بكونِه يمتلك الكثير من المال والكثير من النساء، ذلك بافتراض أنَّ قوته الاقتصادية والجنسية والسياسية هي القوة الحقيقية (الطبيعية) من وجهة نظر المجتمعات الأبوية والتربية الجندرية.

ففي ظل العولمة والتكنولوجيا المتزايدة والصورة النمطية المتداولة عن القدرة الجنسية للرجال، وأنَّ جميع النساء تحرك غرائزهم وتثير الشهوة في نفوسهم، ازدادتْ التوقعات الجنسية عند الطرفين عما هو طبيعي في ممارسة الجنس. فيدخل بذلك عدد كبير من الرجال في حالة من الإحباط والخجل لعدم قدرتهم على إشباع الرغبة الجنسية للشريكة كما كان متوقعاً منهم، وذلكَ تبعاً للخيال الجنسي المنتشر عبر المحطات الذكورية الأبوية التي تفترض أن الرجل دائم الرغبة الجنسية، وأنه المسيطر ولديه قوة جنسية عالية دائماً.

فالحياة الجنسية قائمة في العديد من المجتمعات على رغبة الرجل وتلبية حاجاته، لاعتباره هو الوحيد الذي يمتلك رغبة جنسية والنساء موجودات فقط لتفريغ هذه الرغبة الجنسية. ففي حين نشأ الرجل على الأفكار الأبوية النمطية لقدرته الجنسية ولم يكن قادراً على الممارسة الجنسية بالقوة المتوقعة منه، فيزيد هذا من انعكافه على نفسه وقلقه لعدم تلبية الذكورة المجتمعية المتوقعة منه.

فضلاً عن التربية النمطية التي ينشأ عليها الرجال خلال طفولتهم ومراهقتهم. ففي مجتمعات كثيرة يعد التعبير عن الحزن والبكاء أمراً معيباً للرجال، وبهذا يجبرون على كبتِ مشاعرهم وعدم الإفصاح عن مخاوفهم فقط لأنهم رجال والرجال لا يتذمرون ولا يبكون. وهذا يزيد من الإحباط والقلق إزاء عدم مقدرتهم عن الإفصاح عن مشاعرهم بشكل عفوي وطبيعي تجاه أمر يحدث معهم في الحياة ويكون لا يلبي النظرة الذكورية النميطة للرجل.

وإن قررنا أن نتجاهل التمييز الجندري الاقتصادي والجنسي بين الرجل والمرأة، نجد أنَّ المجتمعات قادرة على خلق تمييز وإن كان مبنياً على فكرة بيولوجية. ففي حين أن النساء مسؤولات بيولوجياً عن الحمل والإنجاب والإرضاع فتتم حمايتهنَّ من خلال العائلة والقبيلة والمجتمع خلال الحروب، وذلك لكي تضمن هذه المجتمعات لأنفسها الاستمرار والبقاء. أما الرجال الذين لا علاقة لهم بالإنجاب والرضاعة فيتحولون إلى جنود ووقود للحروب ويرسلون للمعارك لحماية هذه القبائل والدول وكأنَّ حياتهم أقل أهمية من حياة النساء.

ويمكننا أن نرى اليوم أن العديد من البلدان التي تنهج نهج المساواة يتساوى فيها الرجل والمرأة في خدمة الجيش، وكلاهما ينتسبان بإرادتهما إن أرادا الدخول في الحروب وحماية بلدانهم. في حين يوجد الكثير من البلدان التي تعتقد أن النساء لا يمكنهنَّ حمل السلاح والقيام بالخدمة العسكرية.

أما لو نظرنا إلى الهجرة المتزايدة عبر العالم فيمكننا أن نرى بوضح أن أعداد الرجال المهاجرين وحدهم أكثر بكثير من النساء المهاجرات وحدهن. فالرجال من وجهة النظر الجندرية قادرون على تحمل عبء السفر والتعب النفسي والمادي الذي يختبرونه خلاله.

هذه التربية المجتمعية التي تميز ما بين ذكر وأنثى تُنشئ ضغوطاً كبيرة على الرجال قد تودي بهم إلى الموت أحياناً. وتشير الإحصاءات إلى أنَّ معدل حياة الرجال أقصر من حياة النساء. وذلك لأسباب كثيرة لعله أكثرها وضوحاً تلك المتعلقة بالضغوط النفسية التي يعيشونها خلال حياتهم، بسبب سعيهم الدائم لتلبية الحاجة المجتمعية للذكورة وهم غير واعين بمخاطر هذا التمييز الجندري عليهم.

فلا يعود بعد ذلك غريباً أن نسمع عن تجمعات شبابية مناهضة للنساء وكارهة لهنَّ لاعتقادهم بأنَّ النساء يمتلكنَ ميزات أكثر في الحياة، غير مدركين أن هذا التمييز ناتج عن التفكير الأبوي والجندري الذي مُورسَ ضدهم في الحياة سنين عقبَ سنين.  فتجمعات الشباب العازبين الذين يدعون بـ (الإنسل) مثلاً والذين لأسباب اجتماعية يعانون الرفض من النساء ولا يختبرون خلال حياتهم علاقة عاطفة أو جنسية. يخلق هذا الضغط المجتمعي داخلهم عنفاً تجاه النساء قد يصل بهم لارتكاب جرائم اغتصاب او حتى قتل. وقد يودي بهم الى الانتحار كوسيلة للخلاص من الواقع الذين يعيشون فيه.

الأخطار المترتبة على التمييز الجندري والتربية الذكورية في الحياة لا تعد ولا تحصى وهي موجودة في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا ولا يكفينا التحدث عنها في صفحات أو جلسات فقد أصبحت نمط حياة نعيشه دون إدراك منا لعواقبه النفسية علينا. وبهذا فإن الوسيلة الوحيدة لإدراك أثرها السلبي على حياة الرجال هي إعادة التدقيق في جميع الممارسات المجتمعية المفروضة عليهم وتثقيف الأفراد رجالأ ونساءً تجاه سياسة الجندر والسلطة الأبوية الممارسة ضدهم.

دراسات المساواة في الحياة تركز جداً على هذه الحقائق المجتمعية وتسعى جاهدة لإثبات أهمية المساواة الكاملة في الحياة. فالتجمعات النسائية تحاول أن تقدم صرخة في وجه هذه المجتمعات الأبوية للتخلص من أثرها السلطوي عليهنَّ. لكنَّ التركيز على البحوث الساعية لدراسة أثر هذه الممارسات الجندرية على الرجال والنساء يزيد حقاً من تفَهم الرجال لأهمية مناهضتهم للسلطة الأبوية وللتفكير الجندري داخل المجتمعات جنباً إلى جنب مع النساء وإدراكهم أنَّ تحقيق المساواة هي وسيلة لتحرر الرجال كما النساء، وأنها قضية محقة وعليهم هما الاثنان أن يقفوا معاً لتحقيقها.

 

العدد 987 - 30/11/2021