قبل جلد الذات.. لنُصالح السياسة والفكر!

يونس صالح:

إن الحرب ضد الذات، والقدرة على تفكيك العقل الجمعي والذهنية السائدة، ليست بدعة أو ابتكاراً جديداً، بل اختبار تاريخي خاضته قبلنا شعوب أخرى، فاستحقت الحياة الكريمة، وتهرّبت منه شعوب أخرى توهمت بأن ثقافتها فوق النقد وأرقى من المراجعة، فاختفت من المشهد الحضاري ولم يبقَ منها سوى أشلاء محفوظة في متحف.

لا شك أن ما ينعم به الغرب من تفوق حضاري على كل المستويات كان ثمرة لجهود المفكرين من أبنائه منذ ما سمي بعصر النهضة الأوربية، أو بمعنى آخر هو ثمرة التفاعل وتصالح السياسة مع الفكر، ولكن يبدو أن هذا التصالح لايزال بعيد المنال في واقعنا، مادام رجال السياسة معرضين عما يقوله رجال الفكر، غير عابئين بما تحمله أقوالهم وكتاباتهم من مبشرات وطروح للخروج من ربقة التبعية والتخلف.. ولو أردنا أن نبحث عن أدلة وحجج لهذه العقلية لضاق بنا المجال، وسأكتفي بما يسمح به هذا المقال من أمثلة:

* كتب عبد الرحمن الكواكبي منذ أكثر من قرن كتابه الشهير (طبائع الاستبداد)، وقد بيّن فيه أن الاستبداد بمختلف أوجهه هو العمود الفقري لظاهرة التخلف على كل المستويات بصورة عامة، وأن المواطن في ظل الاستبداد يفقد حبه لوطنه ولا يتوانى لحظة في مناصرة العدو الغازي لبلده، في محاولة يائسة لتخفيف وطأة الاستبداد عنه وعن إخوانه، دون التفكير في عواقب هذا العمل. وتوالت الكتابات بعد الكواكبي تؤكد أن لا نهضة ولا تقدم في غياب ديمقراطية شعبية تساهم فيها الجماهير الواعية لتحدد شكل إدارة المجتمع ومضمون حركته، وتصبح الديمقراطية أسلوب حياة للفرد والجماعة والدولة والإدارة.. ذلك أن الواقع الاجتماعي واحتمالات المستقبل لا يحددها أهل القمة على انفراد ولا أهل القاع على انفراد، وإنما تحدد عبر جدلية بين القاعدة والقمة، لكل من الطرفين فيها دور مميز يتأثر ويؤثر في دور الآخر. لقد قيل هذا الكلام منذ زمن طويل بصيغ مختلفة، وكان هناك أمل بالدخول إلى عالم الديمقراطية والحرية من الباب الكبير، وتتم إعادة ما ضاع منا من عزة ومنعة بالفكر والساعد، ولكن الذي وقع هو غير ذلك.

* لقد كتب أكثر من مفكر عربي وغير عربي، أن أي مشروع مستقبلي للبلاد لا يراعي معطياته التاريخية، مآله الفشل، لأن أول البناء في تكوين الأجيال هو الإيمان بذاتية خاصة لها قيمها ووجودها وكيانها وتاريخها مختلفة عن غيرها، وهو للتذكير- الطريق نفسه الذي سارت عليه أوربا في نهضتها- ولكن أقوالهم ظلت محبوسة في طيات الكتب والمجلات، ولم تجد من يحولها إلى مشروع حضاري.

* لقد كتب أكثر من مفكر أن ظاهرة ما اصطلح على تسميته بالتطرف، ليست جديدة على الساحة العربية، وليست حكراً أو وصمة في جبين شعب دون شعوب العالم ولا طبقة دون طبقة.

وكتب أكثر من مفكر أن التطرف ظاهرة لها أسبابها الموضوعية، وهو مؤشر انعكاس لتعثر النظام السياسي والاجتماعي في مواجهة الأزمات الداخلية أو الخارجية، وأياً كانت مظاهر التطرف وأسبابه، فإنه ظاهرة اجتماعية لا يجب تناولها بارتجال، مثلما تفعل الصحف في بلداننا.

هذه بعض الأمثلة لغياب المصالحة بين الفكر والسياسة عندنا، ما جعلنا نبقى في ربقة التخلف والتبعية، وإذا قدر لنا أن نصالح بينهما في يوم من الأيام لتغير حالنا إلى ما هو أفضل، وعندئذٍ يكون جلد الذات نافعاً ومفيداً، وعندئذٍ فقط نتحول من موقف المازوشية والملتذّ بجلد ذاته وتعنيفها إلى موقف الفاعل في تاريخ الإنسانية.

العدد 987 - 30/11/2021