من دمشق نشرنا الياسمين

وعد حسون نصر:

من دمشق نشرنا الياسمين.. لكن ياسمين دمشق نُشر بشكل مختلف لأنه حمل معه رائحة شبابنا، أطفالنا وكهولنا، انطلقنا منتشرين في أصقاع الأرض إلى بلادٍ تحمل لغتنا العربية، وأخرى تحمل لغةً لا نعرف منها إلاّ السلام والتحية، هجّرتنا الحروب، وبدل أن نرسل زجاج العطر المُعشّق بالياسمين والجوري، نشرنا أنفسنا في بقاع الأرض سوريين نحمل همومنا، أحلامنا، طموحاتنا، شبابنا وسنوات عمرنا، نسير ولا ندري أين يحطُّ بنا الرحيل، عيوننا حائرة ترنو إلى الخلف إلى شوارع دمشق القديمة التي تحمل في زواياها ذكرياتنا، أصواتنا وغناء فيروز، رائحة قهوة الصباح، الخبز المشروح وصوت الملاعق يطرق حواف صحون الفول ورائحة الفلافل، ذكرياتنا على جدار قلعة دمشق، وابتهالاتنا أمام الأموي، وحكايات عشقنا نهمس بها على درج باب توما الساهر يومياً يستمتع بأحاديثنا. وبين مستقبل ربما يكون مجهولاً لكنه أكثر أماناً ممّا تركناه من ذكريات خلفنا، فقد بات الكثير منّا يواسي نفسه قبل الرحيل بعبارة (ماذا فعلت لي هذه البلاد إذا أصبحت بهذا العمر ولا أزال أبحث عن عمل أقتات منه؟!) أما آن الأوان لأن نحيا بعد حرب حرقت أحلامنا ودمّرت نفوسنا قبل بلادنا!؟

لذا ولأننا نتوق للحياة، نتوق للفرح، نتوق للضحكة، نريد أن نرحل لعلّنا نجد ذواتنا، فقد لوّن العتم نفوسنا بسواده، ونخر البرد عظامنا، وحتى كأس الشاي غاب بسكّره عن موائدنا، فماذا بعد هذه الحرب وما أخذته منّا؟ ألم يحن الوقت لنفرح من جديد؟ أعيدوا لنا الفرحة مع نور المصباح، مع جمرة المدفأة، مع شعلة الغاز، مع حلاوة السكر وملوحة الخبز، مع صوت خرير الماء في الصنبور، مع رائحة موائد رمضان الخير، مع رشفة نبيذ صلوات الأعياد في الكنائس، أعيدوا لنا لمّة الفطور الصباحي في فسحة الدار السماوية، أعيدوا كل هذا بالعمل لا بالكلام والشعارات والصور على الجدران، لنلمَّ شمل السوريين تحت سقف الوطن لا في بلاد المهجر، فنحن بحاجة إلى أن نعود من جديد، نعمل على إحياء الأمل مع انطلاق محطّات الكهرباء ودوران عجلات المصانع في المدن الصناعية، مع زهر شجر الزيتون في الحقول، مع رائحة صابون الغار في أزقة بزورية دمشق، مع حلاوة النارنج على موائدنا الصباحية، أعيدوا لنا سورية الجميلة لنعود إلى حضنها مشتاقين، فمهما طال الغياب يحنُّ المسافر لبلده، ومن منّا لا يتوق بشغف لرائحة الوطن المغموسة في حنايا الذكريات على ثيابه القديمة، وبين دفاتره المكتوبة بالشوق والحنين تحت قمر السهرات، فاجمعوا الياسمين من جديد لتزينوا به عنق الشام، ومن قاسيون ارفعوا مكبّرات الصوت لنرقص فرحاً بشمل جديد تحت سقف هذا الوطن، لتعانق الأم الغائبين، والزوجة تحضن زوجها والأولاد، والحبيبة تعود من جديد تهمس للسمر في أزقة العشق مع حبيب هجرها ليبحث عن المستقبل خارج البلاد، ليعود الياسمين مزهراً على جدران الفيحاء، وبالغار نُسيّجها لتشمخ ببهاء، ومنها نُرسل الزيتون مع الحمام غصن سلام، فقد ضاقت الصدور من الحروب، ولم نعد نطيق قرع طبولها، بل نتوق للسلام ننشده قصيدة تحكي قصة زهر الياسمين.

العدد 987 - 30/11/2021