هل من إجابة؟

د. أحمد ديركي:

بعد أن قضى نمط الإنتاج الرأسمالي على معظم مكونات نمط الإنتاج الإقطاعي في أوربا، بدأ بالانتشار إلى خارج حدود القارة الأوربية باحثاً عن أسواق جديدة. في حينها كانت الإمبراطورية العثمانية في مرحلة الشيخوخة، أو مرحلة يطلق عليها (الرجل المريض)، وهي واحدة من أكبر إمبراطوريات العالم مساحة.

أغوت المساحة الشاسعة للإمبراطورية العثمانية نمط الإنتاج الرأسمالي، المتمثل بالدول الأوربية، للدخول إليها. فالمساحات الشاسعة إضافة إلى التعداد السكاني تعني أسواقاً كبيرة (غير مشبعة) بالمفهوم الاقتصادي، وبخاصة أن الإمبراطورية لم تكن متطورة بدرجة تطور الدول الأوربية. أي يمكن توصيف الإمبراطورية وكأنها أرض عطشة للمياه. ويضاف عنصر آخر إلى إغراء نمط الإنتاج الرأسمالي للدخول إلى الإمبراطورية العثمانية ألا وهو عنصر المواد الخام. فالصناعة الأوربية بحاجة إلى مواد خام وكلما انخفض ثمنها انخفضت تكاليف المنتج، وبهذا يمكن تسويقها بشكل أكبر تنافسية لتجتاح بضائع هذه الدول السوق العثمانية وتحقق نسب أرباح أعلى، لأنها (الرجل المريض) وما زالت تعتمد بشكل شبه أساسي على نمط الإنتاج الإقطاعي، وإن كان في مراحله الأخيرة، فقد كان أقرب إلى ما يعرف بمرحلة (يُنتج للبيع)، أي يمكن القول كان على أبواب الانتقال من الإقطاعية ليدخل مرحلة أكثر تطوراً ويقترب أكثر من نمط الإنتاج الرأسمالي، لكن أوربا سبقتها في هذا وتأسس نمط الإنتاج الرأسمالي بها أولاً، ومن ثم أتى إلى (الرجل المريض) للقضاء عليه. وهذه الفترة من تاريخ الإمبراطورية العثمانية نادراً ما دُرست!

دخلها نمط الإنتاج الرأسمالي في البدء بلا حرب، فقد دخلها غازياً إياها ببضائعه، وبدأ بتفكيك بنيتها الإنتاجية والحلول مكانها، ولكن بشكل مشوه. أي بما يخدم مصالح الدول الأوربية. وأنشأت هذه الدول أشكالاً اقتصادية في الإمبراطورية تتوافق مع ما هي بحاجة إليه، بمفهوم السوق، وبدأت تتشكل علاقات التبعية لأوربا. وبهذا بدأ الاستعمار الأوربي للإمبراطورية بلا جيوش ومن ثم انتقل إلى مرحلة الجيوش.

تضاربت مصالح الدول الأوربية فتحاربت فيما بينها لتثبيت هيمنة كلٍّ منها خارج حدودها، وكانت الحرب العالمية الأولى، وتلتها الثانية، وتقاسموا العالم وأخذت الدول المنتصر حصصها في العالم، وكانت حصة فرنسا وبريطانيا (الرجل المريض)، وبخاصة منطقة العالم العربي.

عُرف تقاسم (الرجل المريض) ما بين فرنسا وبريطانيا باتفاقية (سايكس – بيكو) وهما اللذان رسما حدود الدول التي أنشأاها بعد أن اتفقتا على حصصهما، لتكون الدولة، أو الدول التي من حصتها، تحت وصايتها، وكان (الانتداب) من أشكال الوصاية، أي الاحتلال.

لم يكن تقسيم الإمبراطورية قائماً على أي أسس تراعي مصالح الدول التي أُنشئت لا اقتصادياً ولا سياسياً ولا اجتماعياً، بل كانت أسس التقسيم قائمة على خدمة المصالح البريطانية والفرنسية. ويقال لو أن سايكس أو بيكو عطس خلال رسم الخريطة لتغيرت خريطة العالم العربية الحالية.

مزقت الحدود الحالية للدول العربية، والتي رسمتها اتفاقية (سايكس – بيكو)، المجتمع بشكل رهيب وقطعت روابطه العائلية، ما أدى إلى تفتيت العائلات وكسر علاقات اجتماعية سابقة عمرها مئات السنين، وفي المقابل لم يتم بناء البديل عنها.

حاولت، وما زالت تحاول، هذه الكيانات السياسية الناشئة حديثاً استكمال ما قامت به فرنسا وبريطانيا، وذلك من خلال نشر أفكار سياسية متعددة لتحل محل ما كان سابقاً على التقسيم، ولكنها لم تفلح ما ولّد حالات نزاع مستترة في كثير من الأحيان.

حالياً بعد انتقال مركز القوة من أوربا إلى الولايات المتحدة الأمريكية تعمل الإدارة الأمريكية على إعادة رسم الخريطة من جديد بما يتوافق مع مصالحها، وهذا ما أعلنت عنه الإدارة الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي بالقول (لقد انتهت صلاحية سايكس – بيكو)! وما نشهده الآن هو بدايات تنفيذ إعادة رسم الخريطة وقد يكون إعلان كونداليسا رايس خلال العدوان الصهيوني على لبنان في عام 2006 أكبر دليل على هذا، حين قالت: (نشهد اليوم مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد).

يبدو أن خريطة (الشرق الأوسط الجديد) أصبحت أكثر وضوحاً، إعادة رسم العالم العربي على أسس أثنية وطائفية ولا وجود لدول بمساحات كبيرة، ويبدو أن العراق كان أول (نموذج) لهذه الخريطة. (نموذج) قابل للتعديل قليلاً و(النموذج) الثاني ليبيا و …! وهنا يأتي السؤال: لماذا نجح، حتى الآن، المشروع الأمريكي في رسم الخريطة على الأسس التي أرادها؟ ولماذا فشلت الأنظمة العربية في تحصين بلدانها ضد المشروع الأمريكي؟ لماذا جزء كبير من هذا المشروع خدمة للكيان الصهيوني؟

العدد 987 - 30/11/2021