سلامٌ لنا.. سلامٌ علينا!

حسين خليفة:

السلام يأتي من الداخل، لا تبحث عنه في الخارج (بوذا).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ (سورة الحشر ـ 23).

طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون (متى 5: 9).

أول مرسوم صدر بعيد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 كان مرسوم السلام.

لم يمرّ دين أو فلسفة أو عقيدة في تاريخ البشرية إلاّ وكانت دعوة السلام في مقدمة دعواته، فالسلام هو البيئة المثلى لتطور الأمم والمجتمعات وبناء المستقبل، وعكسه تماماً الحرب التي تهدم في لحظات ما بنته البشرية في قرون. فإذا كانت جميع الأديان تقدّس السلام وتعتبره اسماً من أسماء الرب المعبود، والنسبة الأكبر من البشر يؤمنون بدين ما. وإذا كان كبار الفلاسفة والمفكرين والنخب الثقافية والفنية دعاة سلام،  فمن يا ترى يقوّض السلام ويشعل الحروب؟!

وللعلم فإن البشرية لم تهنأ بالسلام الكامل طوال تاريخها، دائماً هناك بؤر مشتعلة بالحروب والنزاعات والصراعات على أنواعها.

إنها أطماع الكبار في ابتلاع الصغار، إنهم أسياد المال يريدون إضافة المزيد إلى خزائنهم وثرواتهم، شهوة التوسع والاحتلال.

تتحوّل الأديان والمذاهب والفلسفات وأرقى الأفكار إلى مطيّة لتجّار الحروب ليشبعوا نهمهم إلى المزيد من استغلال البلاد والبشر.

الدول الكبرى المالكة للثروة والسلاح، الدكتاتوريات المتخلفة والعميلة أيضاً في البلدان الفقيرة، رجال الدين الذين يرتضون أن يكونوا خدماً لهؤلاء الأسياد، الفلاسفة والمفكرون والأدباء والفنانون الذين يتحوّلون إلى أبواق للقتلة، سواء بتأييدهم المُعلن أو بصمتهم خوفاً أو طمعاً على أفعال الطغاة.

هؤلاء يقوّضون السلام العالمي والإقليمي، بل والسلام الداخلي للبشر.

كل مُشعلي الحروب من أصحاب الرسالات وأتباعهم، أو الطغاة والمحتلون عبر التاريخ اتكؤوا على أفكار ودعوات نبيلة في حروبهم واستغلوا أعظم الرسالات ليحققوا أطماعهم التي لا تنتهي.

لهذا كان لا بدّ لدعاة السلام ـ وهم غالبية الناس ـ أن ينظموا صفوفهم ويناهضوا الحرب ـ أي حرب ـ إذ لا شيء يُبرّر إزهاق أرواح البشر، لا شيء يستحق أن يدمّر حلم إنسان في بناء بيت وعائلة، لا شيء ـ مهما بدا سامياً ـ يستحق أن يموت لأجله إنسان.

كل الجهود يجب أن تكون في مصبٍّ واحد على اختلاف أصحابها وتنافرهم، تنمية المجتمعات وتحقيق حاجات البشر الأساسية ورفاهيتهم وتطورهم وإبداعهم.

هو حلم طوباوي، نعم.

إذ إن أعداء السلام أيضاً كُثُر، وأقوياء، يملكون المال والسلطة والسلاح، فماذا يملك دعاة السلام؟

الكلمة فحسب..

والكلمة فاعلة وأقوى من أيّ سلاح إذا اجتمع عليها البشر، فالأفكار تكتسب قوتها من إيمان الناس بها واعتناقهم لها.

لهذا كان تخصيص يوم عالمي للسلام مناسبة لتذكير الناس والدول والمنظمات بخطر الحروب وآثارها المُدمّرة على البشر والبيئة والمستقبل.

وقد شهدنا في سورية حروباً منذ نشأة الدولة السورية مطلع القرن الفائت، وخصوصاً بسبب وجود إسرائيل، الكيان المحتل للأرض والذي هجّر الشعب واستوطن الغرباء محله، فشهدت منطقتنا حروباً بين جيوش مراراً، وحروباً متواصلة بين مقاومين ومحتلين، وتحوّلت المقاومة مراراً إلى مادة للاتجار واستغلال الآخرين والتحكّم بهم باسمها كما هي العادة.

كما كانت منطقتنا مسرحاً لحروب وغزوات عبر التاريخ لم تهدأ.

لكن أعنف وأقذر حرب هي ما شهدته سورية بعد أحداث عام 2011 التي بدأت بانتفاضات شعبية ما لبثت أن تطورت إلى حروب عمياء لا تبقي ولا تذر لأسباب وعوامل لسنا بصددها الآن.

إن السوريين الذين ذاقوا مرارات الحروب عبر التاريخ، ويعيشون الآن فصولاً ـ لعلها تكون الأخيرة ـ من حرب متعددة الأطراف والعناوين، حرب داخلية وحروب الآخرين على أرضنا، يتطلعون إلى اليوم الذي يعمُّ فيه السلام ربوع سورية، ليتفرّغوا لإعادة الإعمار والمصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحداً، وبناء سورية الديمقراطية العلمانية الموحدة التي تحترم حقوق الإنسان والأقليات، وتُعيد الأرض المحتلة من قبل كل القوى التي تحتل أجزاء من بلادنا إلى أصحابها، وفي مقدمتها الجولان العزيز الذي يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني، وطرد كل الجيوش الأجنبية والميليشيات والفصائل العميلة لها، التي تعيث فساداً على الأرض السورية.

إنه حلم سلام دائم وعادل وشامل.

العدد 981 - 20/10/2021