أوربا أيقنت بضرورة حماية نفسها بنفسها.. فهل تنفذ ذلك؟

د. صياح فرحان عزام:

تصدّع جديد في العلاقات القائمة بين ضفتي الأطلسي، ولاسيما ما يتعلق بالتحالف الاستراتيجي الذي قام منذ بداية الحرب العالمية الثانية، والذي على قاعدته قام حلف الأطلسي الناتو والتعهد الأمريكي بحماية الحلفاء الأوربيين. ولكن الانسحاب الأمريكي المرتبك والسريع وغير المنظم من أفغانستان، ومن دون التشاور والتنسيق مع الحلفاء الأوربيين، أدى إلى تصدع جديد في العلاقات بين الطرفين الأمريكي والأوربي.

جدير بالذكر أن التصدع كان قد بدأ في ولاية الرئيس الأمريكي السابق ترامب الذي رأى آنذاك أن حلف الأطلسي انتهى مفعوله وزمانه، إضافة إلى ذلك بدأ يفرض شروطه على دول الحلف، خاصة مطالبته بزيادة حصصها في التمويل والنفقات. ثم جاء الانسحاب الأمريكي السريع من أفغانستان (ليزيد الطين بلة) كما يقال، بمعنى أنه جاء ليرمي حجراً آخر جديداً في جدار العلاقات، ويضع أوربا أمام واقع جديد وخيارات جديدة للحفاظ على أمنها (حسب قولها)، دون الحاجة للحماية الأمريكية التي باتت دون أوربا تشكك في مصداقيتها وجدواها وفاعليتها. وبات السؤال الذي يؤرق الزعماء الأوربيين هو التالي: كيف يمكن الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية في حماية الأمن الأوربي، إذا كانت تتخلى عن حلفائها وأصدقائها في وقت الشدّة وفي أصعب الظروف؟

لهذا كله ارتفعت الأصوات الأوربية مطالبة بإنشاء جيش أوربي أو قوت تدخل سريع أوربية، ردّاً على التخلي الأمريكي عن الحلفاء والأصدقاء، الأمر الذي يشكل دليلاً واضحاً على أن واشنطن قد لا تفي بتعهداتها فيما لو تعرضت دولة أوربية أو أكثر لخطر حقيقي.

في هذا السياق، قال جوزيف بوريل وزير خارجية الاتحاد الأوربي: (إنه يشعر بأسف كبير لما حدث، وللطريقة التي سارت فيها الأمور، لكن لم يسأل أحد الأوربيين عن رأيهم، وأن الولايات المتحدة ليست على استعداد للقتال من أجل الآخرين بعد الآن، وعلينا حماية أنفسنا عندما لا يرغب الأمريكيون)، ثم يدعو جوزيف بوريل إلى إنشاء قوة رد سريع أوربية وتعزيز قدراتها لتكون جاهزة لمواجهة أي أزمات تقع في المستقبل مثلما حدث في أفغانستان.

أما وزير الخارجية البريطاني دومنيك راب فقد قال: (إن الحكومة تحتاج إلى تطوير قدراتها حتى تتمكن من العمل على مهام عسكرية محددة ومعينة في المستقبل من دون الولايات المتحدة)، وهذا القول يعني أن أوثق حلفاء الولايات المتحدة في أوربا أصبحوا يشككون في مصداقية الحماية الأمريكية لهم، ويبحثون عن أمن ذاتي لدولهم بقدرات خاصة.

وفي هذا الإطار، نلفت النظر إلى أن مسألة الدعوة إلى إنشاء جيش أوربي ليست جديدة، إذ إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا أكثر من مرة إلى ذلك قائلاً في إحدى المرات: (لا يمكن توفير الحماية للأوربيين إن لم يقرروا بناء جيش أوربي).. أيضاً المستشارة الألمانية ميركل كانت تدعو إلى ضرورة بلورة رؤية أوربية تتيح الوصول في يوم من الأيام إلى تشكيل جيش أوربي حقيقي.

إلا أن دعوات ماكرون وميركل لم تلاق استجابة أوربية واسعة، ذلك أن دول البلطيق وبعض دول أوربا الشرقية كانت تعارض مثل هذه الدعوات، وترى أن المظلة الأمنية الأمريكية كافية لحمايتها، ولكن مستجدات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان قد تدفعها لتبديل مواقفها.

مع العلم بأن الاتحاد الأوربي كان قد أنشأ عام 2007 ما يسمى (المجموعات القتالية) التي بلغ تعدادها خمسة آلاف جندي، إلا أنه لم ينشرها بسبب خلافات سياسية وتمويلية وغيرها.

الخلاصة: يبدو واضحاً أن أوربا أصبحت على يقين بأن حماية نفسها بنفسها من دون الاعتماد على حليف يمكن أن يبيعها في أي وقت، فهل تترجم هذا اليقين إلى خطوات عملية؟

 

العدد 993 - 19/01/2022