جيل الشَّباب.. شريان الحياة النَّابض

إيناس ونوس:

من المتفق عليه أن جيل الشَّباب هو الجيل الأكثر قدرة على تلقّف كل ما هو جديد، ومن ثم تطويره واستخدامه فيما يلزم، نظراً لديناميكية عقل الإنسان في هذه المرحلة العمرية، الأمر الذي يتطلّب من المعنيين والمهتمين والعاملين في الشَّأن العام العمل على إتاحة الفرصة للجيل الشَّاب لإبراز قدراته وإمكانياته لتقديم كل ما بحوزته.

ولأن أبناء هذا الجيل يعتمدون التَّجديد والتَّنوع كطريقة تفكير وعمل، يبرز الاختلاف بينهم واضحاً، وهي النُّقطة الأهم في أيّ عملية بناء واستفادة من هذه القدرات، فمن المستحيل أن يتلون جيل كامل بالصِّبغة ذاتها مهما كانت الظروف متشابهة، فلكلٍّ نظرته ورؤيته، والأمثلة لا تحصى.. فعلى مستوى الدِّراسة مثلاً نرى الرَّاغب بالتَّحصيل العلمي العالي، والأقل رغبةً، والذي لا يمتلك أية مقومات لهذا الغرض، إنما يبقى عند كلٍّ منهم ما يؤهله ليعطي من مكانه وموقعه ما يراه مناسباً ومجدياً.

ومن هنا، فإن تبدَّلت السِّياسة التَّعليمية في بلادنا وابتعدت عن التَّلقين العام للجميع كأنهم واحد، ومُنحت الفرص المهنية أو العملية لمن لا يرغبون أو لا يمتلكون مقومات التَّحصيل العلمي، وأُعطوا الفرص الصَّحيحة المتوافقة مع قدراتهم، نجدهم سيبرعون في تقديم أفضل ما لديهم وسيحققون النَّجاح الذي نطمح إليه جميعاً، لأنه بالضَّرورة سينعكس بالإيجاب على المصلحة العامة ككل.

فحين يمتلك الإنسان خاصيةً تُميّزه عن غيره، ويقدَّم له الدَّعم المناسب، سيعطي كل ما يمتلك، بل إنه سيعمل على تطوير أدواته ويسعى إلى الابتكار والخلق، وهذا ما لا يتوفر غالباً لأجيالنا الشَّابة، بحكم غياب مراكز البحث والتَّمحيص فيما يصب في صالح التَّنمية البشرية وبالتالي المجتمعية.

ليست المشكلة في تلك المراكز وعددها، بل إن ما ينقصنا آلية تفكير وسياسات تُعنى بهذا البلد وبتطويره من خلال الإفادة من خبراته، بدلاً من الاعتماد على الخبرات الأجنبية التي لا تمتلك عقولاً أكثر وعياً وعلماً وانفتاحاً من عقول شبابنا، وإنما أُعطيت المجال في بلادها لاستخدام تلك العقول والعمل على زيادة قدراتها.

أثبت جيل الشَّباب السُّوري تميّزاً واضحاً عن أقرانه في مجتمعاتٍ أخرى عديدة، فبحكم الظُّروف التي عايشها ولا يزال، امتلك موهبة التَّأقلم وابتكار كل أمر يُبقيه على قيد الحياة والأمل، وهذا بحدّ ذاته يستحق إعادة هيكلة العمل في السياسات الحكومية وتغيير النَّظرة تجاهه، فإن أعطيت له الفرص الحقيقية والجادَّة أثبت جدارةً منقطعة النَّظير، ولهذا نسمع ونقرأ عن تميّز السُّوريين في مختلف البلدان التي لجؤوا إليها بسبب الحرب الشُّعواء والموت اليومي.

إذاً، العقل لم يتغيّر.. إنما الظُّروف المحيطة هي التي تغيّرت من خلال فتح آفاق تستحقها تلك العقول. فهل سيبقى المسؤولون في بلادنا مستهترين بحق هؤلاء الذين لا همّ لهم سوى العيش بكرامتهم ورغبتهم في ردّ الجميل لبلادٍ أمست في جيناتهم يحملونها معهم مهما تلوَّنت جنسياتهم فيما بعد، حالمين بأن يكونوا حقيقةً شريان الحياة الذي يضخ الدماء المتجددة والنظيفة في عروق هذه البلاد لتتغذى وتنمو، فتخدمهم كما خدموها!

العدد 969 - 28/07/2021