التشاركية بين الحلم والضرورة

محمد علي شعبان:

تتقدم المعارضة في البلدان المتحضرة، بمقدار إحساس المواطن بها، وبحرص كوادرها على المصلحة الوطنية التي يشعر المواطن من خلالها بالأمن والأمان، والاستقرار. وكلما شعر المواطنون بصدق نوايا المعارضة، وانعكس ذلك في سلوك كوادرها تزداد نسبة الانزياح الجماهيرية لصالح المعارضة، التي تقوم بدور الرقابة على السلطة وتصويب مسارها، فيما لو انحرفت، أو تقاعست عن القيام بواجباتها.

فالسلطة والمعارضة نقيضان يتفقان على الغاية ويتنافسان فيما بينهما على تحقيقها، في إدارة شؤون البلاد، بما يحقق العدالة والكرامة للمواطنين.. عندئذٍ يصبح المواطنون شركاء حقيقيين في السلطة، ما داموا يستطيعون تحديد سلطتهم بأنفسهم، ومحاسبتها إذا اقتضى الأمر.

لكن هذا غير وارد في المجتمعات العربية بشكل عام، ما دامت شروط وصول المعارضة إلى السلطة شبه مستحيلة، باعتبار أن الحياة السياسية في المجتمعات العربية والإسلامية بشكل خاص تسير وفق رؤية الحاكم، وهي امتداد لسلطة الخلافة التي تعتمد منظومة خاصة باختيار الخليفة (الحاكم)، الذي يعمل على تغييب المعارضة وتهميشها إن وجدت، وإيجاد آليات وطرائق تعتمد إقصاء شرائح واسعة من المجتمع وعدم صلاحياتها للقيام بمهمة الحاكم، ما دامت المعايير متفقاً عليها مسبقاً، مرة بحكم النسب والقرب من الرسول الكريم، ومرة بخضوع لموازين قوى تحتاج إلى مخارج خاصة لقبول التوافق الجديد واعتباره شرعيً، ومرة بالسيف. لذلك غُيّب التنافس الإيجابي على السلطة، وبقي الصراع على السلطة، بطريقة كسر العظم واستبعاد أي دور لعامة البشر.

ويعزى عدم وجود معارضة، لسببين رئيسيين:

السبب الأول، أننا لم نتعايش ولم نألف فكرة المعارضة بدلالتها الإيجابية، في ثقافتنا، ما دام التاريخ العربي لم يقدم نموذجاً للحكم يعتمد على التشارك.

لقد أتخمت البلدان العربية بثقافة الخلافة التي لا تنتهي إلا بالموت.

لذلك تتولد فكرة موت الخليفة (الحاكم) منذ لحظة توليه السلطة، فيلجأ لتحصين موقعه الدفاعي، في المقام الأول، قبل النظر إلى تنفيذ الاستحقاقات بغية النهوض بالوطن والمواطنين.

ويتركز اهتمامه على صناعة الكتلة الاجتماعية التي يأتمنها ويثق بها كي تبدأ الطمأنينة بالدخول الى قلبه، ولن يحصل الأمر بهذه السلاسة، باعتبار أن التاريخ الإسلامي مليء بحالات الغدر والخيانة، في القصور المغلقة، وثقافتها، ومليء أيضاً بالمؤلفة قلوبهم، مما يجعل الخليفة (الحاكم) في حالة من القلق.

ويعتمد في المقام الأول، على منظومة الحرس، والبصاصين، فتصبح الدولة رهينة لمصلحة هؤلاء، الذين يتبوؤون المناصب الحساسة في الدولة. لذلك يجب أن يحقق الحاكم لهم حصة الأسد ويعمل على حمايتهم، خوفاً من الآثار السلبية لثقافة الغدر والخيانة، التي تكررت عبر قرون من الزمن، فتصبح خزينة الدولة ومواردها في خدمة الحاكم وحاشيته. وتسود لغة العنف والبطش في صفوف الفقراء، الذين لا يجدون مناصراً لهم غير الله، رغم أن الحاكم يحكم بأمر الله، الذي يستمدون منه الصبر، وينتظرون الفرج على يديه، باعتباره المسؤول عن الموت، انسجاماً مع ثقافة الخلافة التي لا تنتهي إلا بالموت.

السبب الثاني، هو موقع الوطن العربي الجغرافي الهام، والثروات النفطية الموجودة في جوف الأرض، ومياهه العذبة، ومناخه المعتدل، كل ذلك جعل البلدان الأخرى يسيل لعابها على احتلاله، بأشكال مختلفة، وخاصة الدول الأوربية التي أقدمت على غزوه عدة مرات، واستعمرته بأشكال مختلفة، والتي تعتمد بثقافتها وبعض معتقداتها على شرعنة احتلال البلدان واستباحة ثرواتها.

ومن دون الدخول بتفاصيل أفعال الدول الاستعمارية في شؤون بلداننا، التي يعرفها أغلبكم، أكتفي بالإشارة إلى دورها في تعميق الخلافات الدينية، والطائفية، والمذهبية، والقبلية، والعشائرية، التي تؤسس لثقافة التمييز بين المكونات المجتمعية، داخل كل تصنيف بما فيها العائلي، وتدخل في عقول الوجهاء من القبائل، والطوائف، لتصنع التناقضات داخل كل منها، وصولاً إلى تشكيل العداوة بين أبناء الوطن، لتمنع الاندماج والوطني وتحافظ على بقاء التناقضات والخلافات، وتحافظ بذلك على أنظمة الحكم التقليدية، التي تعيق التطور إلى أنظمة حكم تشاركية وتعددية.

هذان السببان، إضافة إلى أسباب أخرى لم تذكر، كان لهما الدور الأبرز في تغريب المجتمع عن اللحاق بالمجتمعات المتحضرة، وبقائه يعيد إنتاج ذاته بالأدوات نفسها التي غربته، ومنعته من النهوض.

من العبث أن نستهين بهذين التحديين اللذين كان لهما الأثر الكبير في تشكيل وعينا، وثقافتنا التي من خلالها نرسم طريق الخروج إلى بر الأمان.

فهل بمقدورنا إصلاح ما أفسده الدهر، وما أسست له القوى الاستعمارية، وقوى الظلام والطغيان؟!

هذا ما يجيب البحث عنه.

وما هي السبل والأدوات التي يجب استخدامها لوضع حجر أساس لمشروع متواضع نتساءل فيه عن أسباب ضعفنا وتخلفنا. وكيف يمكن أن نعالج هذا الضعف، بغية الحفاظ على ذات قابلة للتطور والنهوض.

بعد هذا العرض أدعو جميع القراء الذين يبحثون عن مستقبل أفضل للبشرية بشكل عام، وللوطن العربي بشكل خاص، إلى العمل على تشكل حلقة بداية لسلسلة من الحلقات المترابطة، وأن يتقدموا خطوة إلى الأمام، من أجل تشكيل منبر يتحدث فيه جميع المهتمين بالشأن العام، على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية، لنتعلم معاً كيف نتعايش مع من نختلف معهم بالرأي، ونتعلم إدارة الاختلاف بغية الوصول إلى توافقات، تشكل نقاط ارتكاز جديدة، لمراجعة نقدية نعيشها بعيداً عن التطيّف والتمذهب بعيداً عن التخوين والتآمر.

نعلم ونتعلم كيف يشارك الجميع بعضهم البعض، بمسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية، كيف يديرون شؤونهم، متحررين من ضوابط كان لها الأثر الكبير في تخلفنا.

لعلنا نستطيع إنتاج سلطة جديدة بأدوات جديدة يكون للمعارضة فيها الدور البارز في نقدها، وتصويب أخطائها، تشكل نموذجاً في منطقة ما في العالم العربي، نستطيع شرعنتها، نستمد منها ونعطيها، كي نكبر معاً ونتجاوز ماضينا الذي ساهم ويساهم بتحطم أحلامنا ومستقبلنا.

 

العدد 963 - 9/06/2021