الطُّفولة والتَّرفيه ليسا حكراً على البعض فقط

إيناس ونوس:

كم تزخر ذاكرتنا بالنُّزهات والرِّحلات التي كنَّا نشارك فيها، نتنفَّس أريج الطَّبيعة ونحلِّق بعيداً في فضاءاتٍ لا متناهيةً بجناحي الطُّفولة الحُرَّيْن لا يقيِّدهما مكانٌ ولا زمان، فبكلِّ سهولةٍ كانت أمِّي تُعِدُّ زوَّادةً منزليةً بسيطةً ونشدُّ الرِّحال مرَّةً إلى المناطق المجاورة للحيِّ، والغنيَّة بألوان الطَّبيعة الخلَّابة والمساحات الشَّاسعة التي تسمح لأجنحتنا بالتَّحليق عالياً عالياً، ومرَّةً أخرى إلى الحدائق العامَّة الأكثر اتِّساعاً والملأى بشتَّى أنواع الألعاب المجَّانية والمتاحة للجميع، وكم تعرَّفنا على رفاقٍ في تلك المساحات ولعبنا وأجرينا اتِّفاقاتٍ سريَّةً أو علنيةً تكلِّلها ضحكاتنا المجلجلة، ونصل في آخر اليوم إلى فراشنا منهكين من اللَّعب والبهجة والمتعة، مترقِّبين بفارغ الصَّبر الرِّحلة القادمة والمشوار القادم.

اليوم، تفتقد أحلام أطفالنا لهذه الذَّخيرة، فالأماكن المجاورة وكثير من المساحات الخضراء تحوَّلت إلى صفوفٍ متلاصقةٍ من الأبنية الإسمنتية المرعبة، والتي لم تقضِ فقط على مساحات الحلم، بل منعت عنَّا جميعاً نسمات الهواء العليل في قيظ الحرّْ، والاستمتاع بالرَّبيع أو الخريف كما السَّابق، في حين أنَّ الحدائق العامَّة تحوَّلت إلى مرتعٍ لكلِّ ما هبَّ ودبّ، وباتت مكاناً لانتشار السُّلوكيات المستهجنة والمرفوضة اجتماعياً وتربوياً وأخلاقياً، فضلاً عن انعدام النَّظافة فيها وعدم وجود أبسط مقوِّمات العناية والاهتمام، فألوان الألعاب المتبقِّية هناك كآثارٍ تدلُّ على ما كان في الماضي باتت باهتةً تشبه أيَّامنا هذه، إضافةً إلى نقطةٍ لفتت انتباهي وهي تعتيم الإنارة في أوقات المساء ممّا جعلها تبدو مرعبةً مخيفة، الأمر الذي يجعلها أيضاً مرتعاً حقيقياً لكلِّ ما هو ممنوعٌ تحت الضوء.

وإن فكَّر أحدنا أن يصحب أطفاله في نزهةٍ إلى أحد المنتزهات أو مدن الألعاب الكبيرة والمنتشرة هنا وهناك، بات عليه أن يعمل جردةً حسابيةً قاسية لما يجب عليه أن يدفعه فيها نظراً لارتفاع الأسعار غير المنطقيِّ وغير المحمول، وكأنَّ اللَّعب والتَّرفيه بات حكراً على أطفال من يمتلك المال وحسب، أما غيرهم فلا حقَّ لهم بالدُّخول أو حتَّى الحلم ولو بمشوارٍ واحدٍ في السَّنة.

أليس من البديهي والطَّبيعي أن يستعيد أطفالنا بعضاً من طفولتهم، بعد كلِّ سنوات الحرب والدَّمار الذي لا يزال مستمرَّاً حتَّى اليوم؟!

من قال إنَّ اللَّعب حكرٌ على فئةٍ معيَّنةٍ من الأطفال دون غيرها؟

من المسؤول عن وأد حقِّ أطفالنا في اللَّعب المجانيِّ والحرِّ والبسيط الذي لا يحمِّلنا عبئاً إضافيَّاً؟؟

من المسؤول عن حبسنا لأبنائنا في المنازل فقط، لأنَّنا لا نمتلك الوقت والمال الكافيين لأن نقوم بترفيههم أو تسجيلهم ببعض النَّشاطات التي يرغبونها، والتي باتت مصدراً أساسياً لدخل البعض ممَّن يفرضون الأسعار والتَّكاليف حسب مزاجهم وعلى هواهم دونما رقيب؟

من يمكنه أن يجيب طفلاً يصفع أبويه بالسُّؤال: لماذا يحقُّ لغيري أن يلعب ويلهو في حين يُمنع عنِّي كلَّ ذلك!؟

العدد 963 - 9/06/2021