كل ليمونة ستنجب طفلاً..

ريم داوود:

رتبة رفيعة المستوى من الهمجية والوحشية والقتل نالتها إسرائيل في الأيام الماضية، ففي القدس كرة نار العدوان تحرق الحجر والبشر دون تمييز بين كهل أو طفل. عناوين من الإجرام اتخذتها إسرائيل تجاه الفلسطينيين لتجبرهم على لفظ أنفاسهم الأخيرة، غير أن المقاومة أبت إلاّ أن تثبت ولادة جديدة وانتفاضة مديدة.

منذ أسبوعين تقريباً والشهداء بالعشرات يسقطون على أرض القدس، وتأتي صواريخ المقاومة مخترقة دعائم القبّة الحديدية، مربكة هدوء العدو، معطلة حركة المرور والاستقرار داخل المستوطنات. إن محاولة إسرائيل تهجير أهالي حي الشيخ الجراح كانت القنبلة الموقوتة التي فجّرها هذا العدوان الغاشم، لكن شظاياها سوف تعود عليه بالسوء والدمار والرعب، فسياسة القتل، والدمار، والتهجير التي تستخدمها إسرائيل أيقظت في ذاكرة الفلسطينيين المجازر الأولى والتهجيرات الكبيرة التي حصلت سابقاً.

 

المسجد الأقصى وهيكل سليمان

منذ أن أُنشئت إسرائيل في فلسطين وحتى يومنا هذا وهي مستمرة بأعمال الحفر والتنقيب تحت المسجد الأقصى، على الرغم من أنهم لم يعثروا على دليل واحد يؤكد وجود ما يبحثون عنه، أما إذا أردنا التحقّق من صحة ادعاءاتهم، فما علينا سوى العودة للمؤرخين الإسرائيليين أنفسهم الذين يؤكدون أن ما تتبجّح به إسرائيل من بحث عن هيكل سليمان ليس إلاّ كذبة أطلقتها، وأن ما تتبجّح به ليس له أساس وهو تاريخ مزوّر.

 

التطرف الديني الاسرائيلي

منذ فترة بعيدة كانت إسرائيل تعمل على إنشاء حركة ما يسمى الإنجيليين الصهاينة الذين ليس لهم علاقة بالإنجيليين ولا بالمسيحيين من أساسه، لكن إسرائيل عملت جاهدة على تغذية هذه الحركة وزجّها ضمن عقائد الديانات حتى أصبحت تلقى الدعم والمساندة والتوجيه من قبل أكبر الشخصيات السياسية أمثال ترامب وغيره، وفي تصريح لنتنياهو أوضح فيه أهمية هذه الحركة بالنسبة لإسرائيل قائلاً: ليس لدينا حليف أفضل منهم. وإذا ما أردنا البحث في العمق الإسرائيلي نستطيع لمس الواقع الهش والتطرف الديني الكبير داخل مؤسساتهم وحياتهم، ففي دراسة أجراها الرافضون من اليهود بالالتحاق بالخدمة العسكرية تبين أن ٤١% فقط من الطلاب يرتادون المدارس العلمانية في حين ٥١% منهم يلتحق بمدارس دينية متطرّفة تعمل على تغذية عقولهم بالحقد والقتل والإجرام، وزرع فكرة أحقيتهم بالأرض وإقامة هيكل سليمان وتهجير العرب من المنطقة بأية طريقة كانت ومهما كانت النتائج.

 

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

إن مهاجمة إسرائيلي لحي الشيخ الجراح فجّر في الداخل الفلسطيني ذاكرة ١٩٤٨ يوم عملت إسرائيل متعمّدة على تهجير مئات الآلاف منهم، إن هذه الذاكرة أيقظت في الداخل الفلسطيني الحراك الثوري، فنحن اليوم نشهد حرب وجود، فإما تنتصر إسرائيل وينتهي معها الوجود الفلسطيني ويسقط الأقصى مهدّماً، أو أننا سنشهد تصعيداً للحراك الفلسطيني والمقاومة دفاعاً عمّا بقي ودحضاً للعنصرية اليهودية التي ترى أن العرب ليسوا من فئة البشر ولا يحق لهم العيش والتطور والتعلم كما يفعل اليهود، بل هم مجرّد عبيد لديهم وعليهم التبعية لإسرائيل. إننا اليوم نشهد على أرض فلسطين صراعاً خطيراً سيصل إلى مراحل متقدمة ما لم يتمُّ التعامل معه وضبطه بمشروع سياسي ذو قوام عربي يضمن حق الوجود العربي الذي ترفضه إسرائيل، وقد عبّر نتنياهو في كتابه (مكان بين الأمم) الذي نشر عام ١٩٩٦ بشكل صريح أنه لا يوجد ما يسمى بالقدس، وأن الفلسطيني عليه أن يكون خاضعاً للدولة اليهودية. هذا القهر الصهيوني الحاقد المليء بالتطرّف والإرهاب والأطماع الاستعمارية يسعى منذ أيامه الأولى إلى القضاء على الهوية العربية وإنهاء الوجود الفلسطيني داخل الأراضي المقدّسة، وهذا ما كان يسعى إليه ترامب في ما أسماه صفقة القرن أو صفقة العصر التي جرى العمل عليها في إطار مؤسسي أمريكي- إسرائيلي بدعم من منظمات صهيونية لها ثقلها وتأثيرها، وتهدف هذه الصفقة إلى إعلان دولة إسرائيل بشكل واضح وإفراغ فلسطين من الوجود العربي، وهنا تكمن الخطورة أمام صمت عربي وعالمي محزن ومذهل.

خاتمة الكلام وخلاصة القول هو أن فلسطين لم تعد اليوم قضية الفلسطينيين وحدهم، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية أمام صمت مفجع من الأمم المتحدة التي تصمّ أذنيها وتعمي عينيها عمّا يحصل من انتهاك صارخ لحقوق وحرمات الإنسان من قبل محتل مغتصب مجرم، في حين لم تتوانَ تلك الجمعية لحظة عن فرض عقوبات وحصار دام سنوات على سورية بحجّة أن المدنين يهاجمون فيها، في حين كانت بلادي تسعى للحفاظ على سيادتها.

العدد 963 - 9/06/2021