حرب دبلوماسية غربية على روسيا

د. صياح فرحان عزام:

لم تكتفِ الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية الحليفة لها بشنّ حرب العقوبات على روسيا الاتحادية، بل لجأت في الوقت نفسه إلى شن حرب دبلوماسية قذرة عليها، من خلال القيام بطرد أعداد كبيرة من الدبلوماسيين الروس من العواصم الغربية، الأمر الذي اضطر القيادة الروسية إلى الرد بالمثل، وهذا ما جعل العلاقات بين روسيا وهذه الدول تنحو باتجاه التصعيد والتوتر، ما ينذر بمخاطر كبيرة فيما لو ارتفعت درجة حرارة المواجهة.

الاتهامات الموجهة إلى روسيا، تعددت واختلطت، ومنها الادعاء بالتجسس والتدخل في الشؤون الداخلية، وإحياء أزمة أوكرانيا والقرم وقضية (نافالين) المعارض الروسي (كما يسميه الغرب الذي أصبح بمثابة مسمار جحا). وأضافت واشنطن إلى هذه التهم أيضاً، اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية، وهجمات القرصنة السيبرانية المزعومة وحقوق الإنسان.

والشيء اللافت للنظر، أن العديد من الدول التي كانت جزءاً من المعسكر الاشتراكي، أدركت فجأة- وبقدرة قادر كما يقال- أن روسيا تقوم بالتجسس عليها أو تتدخل في شؤونها الداخلية. وعلى سبيل المثال تذكرت جمهورية تشيكيا الآن أن موسكو تقف خلف انفجار مستودع أسلحة وقع قبل سبع سنوات.. وقامت بطرد ثمانية عشرة دبلوماسياً روسيا، الأمر الذي اضطر روسيا إلى الرد بالمثل وطرد 18 دبلوماسياً تشيكياً، ووصفت قرار تشيكيا بأنه عمل عدواني وغير مسبوق.

كذلك فعلت بولندا التي طردت دبلوماسيين روساً تضامناً مع الولايات المتحدة التي ادعت بأنها تعرضت لما أسمته هجمات سيبرانية روسية، وردت موسكو على ذلك بطرد خمسة دبلوماسيين بولنديين، وكذلك فعلت كل من بلغاريا وسلوفاكيا، فقد عمدتا إلى ترحيل دبلوماسيين روس، وردت روسيا على ذلك بالمثل.

وتتابعت فصول طرد الدبلوماسيين الروس من قبل دول البلطيق (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا)، تعبيراً عما أسمته التضامن مع تشيكيا، ما دفع موسكو إلى الإعلان على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن روسيا سترد بالمثل على هذا الإجراء.

لا شك بأن هذه الخطوات من قبل الدول المذكورة ضد روسيا، هي جزء من توجه غربي جماعي وبإيعاز من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لزيادة الضغوط السياسية على موسكو عبر طرد دبلوماسييها، من أجل إضعاف الوجود السياسي الروسي في هذه الدول وفي العالم بشكل عام، وبالتالي، إجبار موسكو على تقديم تنازلات محددة ومطلوبة أمريكياً قبل انعقاد القمة المفترضة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي بايدن، إذ تجري اتصالات بين البلدين بشأن تحديد موعد هذه القمة وتجهيز جداول أعمالها.

غني عن الذكر أن روسيا من جانبها أعلنت استعداد الرئيس بوتين لهذا الاجتماع، ومما قاله المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: (لقد فعلت موسكو كل ما في وسعها للانتقال إلى الحوار بين البلدين، وأن موسكو لم تفعل شيئاً من شأنه أن يضر بعلاقاتهما، ولم تكن البادئة في زيادة هذه العلاقات سوءاً).

هذا مع العلم بأن وزارة الخارجية الروسية عرضت سابقاً على الولايات المتحدة تبادل ضمانات عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكليهما، إلا أن الطرف الأمريكي لم يتجاوب مع هذا العرض الروسي، بل مضى في التصعيد غير المبرر.

وخير دليل على رغبة موسكو في تهدئة الوضع مع الدول الغربية وأوكرانيا التي تتلقى الأوامر والتعليمات من أمريكا وحلفائها الغربيين، إعلان روسيا عن البدء بسحب قواتها التي كانت تنفذ تدريبات اعتيادية قرب حدود أوكرانيا إلى قواعدها الدائمة، كذلك أعلن الرئيس بوتين أثناء استقباله لرئيس بيلاروسيا لوكاشينكو مؤخراً يوم 23/4/2021 استعداده لاستقبال الرئيس الأوكراني زلينسكي في أي وقت مناسب له، للتباحث في العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

العدد 993 - 19/01/2022