جزى اللهُ الشدائدَ كلَّ خيرٍ عرفتُ بها عدوّي من صديقي!

ريم داوود:

أقنعة يلبسها الناس متمرّسين في اختيارها، حفل تنكري نعيشه نحن البشر مسرحه الحياة، وعند أول مطبٍّ وربما الثاني تسقط واحدة تلو الأخرى، ويا لها من أقنعة! تلبس وجوهاً ليست لها، فتُحيل الحقائق زيفاً وتخفي سواد الأخلاق ببياض زائف. (ليس هناك أشياء تتغيّر، بل هناك أقنعة تسقط!)_ هكذا عبّر عنها شكسبير، وفي سقوطها تنكشّف الحقيقة وتحلُّ الخيبات في من كنّا نظنّه ملاكاً، تنهار صروح من المحبة شيّدناها له في وجداننا. فهل تسقط الأقنعة عندما تنتهي المصالح؟ أم أن هؤلاء الأشخاص يمتلكون هذه السمات في شخصيتهم وتعمّدوا إخفاءها بأسلوب ذكي؟

تكشف الحياة أقنعة الناس بقسوة لدرجة أننا نحتاج إلى وقت طويل لنستوعب بشاعة الوجه الحقيقي الذي تقاسمنا معه ذكرياتنا، أوقاتنا، سعادتنا وحزننا. وللأسف نواجه في رحلة الحياة الطويلة الكثير من الأقنعة والقليل من الوجوه. تسقط أقنعة الناس حينما تصفعك اليد التي كنتَ تنتظر أن تُمَدَّ لك بالعطاء. صمتٌ ساد وجداني وسباتٌ دخلتُ به للحظة أقرأ ما أرسل إلي من إحدى الصديقات أو ممّن كانت إحدى الصديقات. عبارات لم أعتد سماعها من عدوٍ ندٍّ لي، فكيف بها تخرج من زميلة خِلتها الخلَّ الوفي، في حين كانت مُنافقةً مُخادعة. إنها الحياة تفاجئنا دائماً بأشخاص نظنّهم أصحاب علم ومعرفة، فنكتشف زيف ما يتبجّحون به عند أول خلاف، وكم تكشف لنا لحظات الغضب تلك من نفاق وأكاذيب كنّا نعيشها ونتقاسمها مع أناس تمرّسوا التخفّي خلف وجوه يلبسونها أينما وكيفما أرادوا، فتزول في لحظة غير متوقعة، فهل أرهقهم التمثيل وسئموا أقنعتهم فعادوا إلى طباعهم الحقيقية؟ أم أننا لم نستطع منذ البداية قراءتهم جيداً لما نكنّه لهم من مشاعر وعواطف؟

أبادل زوجي الأفكار، وأستمع لما يطرحه بعد أن سألته باستغراب: كيف يستطيع المرء أن يكون بوجهين؟ كيف يمكن للإنسان التخفّي والتستّر خلف أعمال وطباع لا تشبهه؟ هل أتقن البشر التمثيل إلى هذا الحد؟

ابتسم زوجي ابتسامته اللطيفة التي يعبّر بها لي عن تفهّمه وتعاطفه مع مشاعري: (عزيزتي، إنه زمن المصالح!)، وأضاف: لديك ما ينفعني فأنت تلزمينني، وعندما تنتهي المنفعة تنتهي العلاقات هذا قانون الحياة الجديد! وتأكيداً لكلامي أمعني النظر بما يحصل في أي مؤسسة أو شركة عندما يصدر قرار تغيير المدير: يتهافت الموظفون كالدبابير لكسب ثقة المدير الجديد داحضين ناكرين كل ما قدمه لهم مديرهم القديم، متنكرين له بتسليط الضوء على نقاط الضعف والعيوب التي كانت لديه، مع العلم أنهم يحتفلون به ممتنّين له بنهاية خدمته، مقدّمين له الهدايا الثمينة، وترين أيضاً ذاك المدير الجديد ينهال على الموظفين بوعود ومشاريع وقرارات تجعلهم يحلقون في دنيا الأحلام، ويسقط قناعه هو الآخر بعد فترة وجيزة، ويتبيّن زيفه وكذبه.

هززتُ رأسي مؤيّدة كل ما طرحه، وكأن الحياة جعلت منّا منافقين، فهل العيب فينا؟ أم في مَن وثقنا بهم؟ هذه هي حياتنا وهذا هو واقعنا: مهزلة بكل معنى الكلمة، والمهزلة الأكبر إذا ادعينا البطولة وسط زحام هذه الوجوه.

العدد 956 - 14/04/2021