(نورد ستريم٢) طريق جديد في رحلة الحرب الاقتصادية

ريم الحسين:

صرح ألكسندر نوفاك (نائب رئيس الوزراء الروسي)، في حديث تلفزيوني أنه تم بالفعل إنجاز بناء خط نقل الغاز (السيل الشمالي ٢) أو مايعرف بـ (نورد ستريم ٢) بنسبة تزيد على ٩٥٪. وشدد على أنه سيتم إنجاز تشييد هذا الخط في نهاية المطاف، على الرغم من المحاولات الهدامة من جانب الولايات المتحدة لمنع تنفيذه.

خط الغاز المثير للخلاف بين روسيا والولايات المتحدة وبين أوربا وأمريكا وأوربا نفسها هو خط غاز روسي يصل الغاز عن طريقه مباشرة إلى ألمانيا ومنها إلى عدة دول أوربية عبر بحر البلطيق. تعد روسيا أكبر منتج ومصدر للغاز في العالم، وألمانيا هي أكبر مستهلك للوقود والطاقة، ولكن بعض دول شرق أوربا تجد أن هناك ضرراً كبيراً من هذا الخط الذي يمر من بولندا وبيلاروسيا وأوكرانيا، والأخيرتان كانتا في السابق ضمن دول الاتحاد السوفييتي الذي بدأ منذ أواخر الستينيات بتصدير الغاز إلى أوربا الغربية الحليفة لأمريكا، في أوج التعاون الضئيل بينهما أثناء الحرب الباردة. وهاتان الدولتان، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، أصبحتا الآن حليفتين لواشنطن وتطالبان برسوم كبيرة على مرور خط الغاز، وبحصّة لتلبية احتياجاتهما الخاصة وبأسعار مخفضة، إضافة إلى الخلافات السياسية مع الاتحاد الروسي.

ولتتجاوز روسيا الخلافات بدأت تبحث عن خطوط نقل بديلة، ومنها (خط نورد ستريم ٢) أو ما يعرف (بخط السيل الشمالي) وهنا بدأت هذه الدول بالخوف من المعادلة الجديدة التي سيفرضها الروسي بعد التخلي عن الطرق التي تعبر من خلالها اقتصادياً وسياسياً وربما عسكرياً وبدأت بالاحتجاج لدى الاتحاد الأوربي الذي يستهلك ٤٠ بالمئة من الغاز الروسي لتلبية احتياجاته، مما صعد الخلاف بين هذه الدول ووضعها بين فكي كماشة: الحاجة إلى الغاز الروسي المنتظم والرخيص والتكلفة الكبيرة للبدائل المتاحة، والخوف من تمدد الروسي في شتى المجالات، إضافة إلى الغضب الأمريكي الذي أدى إلى فرض عقوبات على أي شركة تعمل على بناء هذا الخط، فالأمريكي يخاف من زيادة النفوذ الروسي على دول أوربا حليفتها، وتشك في نواياه بعد أن أدمن حلفاؤها على هذا الغاز، إضافة إلى المغانم الاقتصادية للروس باعتبارهم خصماً، فهي لا تحبذ لهذه الإيرادات أن تدخل الميزانية الروسية، والأهم هو التطور الجيولوجي في أمريكا ومسعاها بعد اكتشاف الغاز الصخري واستخدام التكنولوجيا لتصبح منتجة للغاز بعد أن كانت تستورده، وبالتالي طمعها في أن تصبح المصدر الرئيسي لأوربا بدلاً من الروسي، وقد اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ما بوسعها لعرقلة المشروع بكل الوسائل، ما أثار غضب عواصم غربية، خصوصاً برلين التي ترى في المشروع وسيلة لضمان أمنها الطاقي. وتتهم روسيا الولايات المتحدة بمحاولة عرقلة المشروع للحفاظ على تدفق إمدادات الغاز الطبيعي الأمريكية، الأكثر تكلفة، إلى السوق الأوربية.

وكان وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، قد أعلن في وقت سابق من العام الماضي، أن واشنطن تشكل تحالفاً لمنع استكمال مشروع (السيل الشمالي ٢)، وتأمل ألا يكتمل بناء خط الأنابيب. وأعلنت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية أيضاً في وقت سابق ماريا زاخاروفا أن موسكو تدين دعوة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، لتشكيل تحالف ضد خط أنابيب الغاز (السيل الشمالي ٢)، مشيرة إلى أن واشنطن تحاول احتلال سوق الغاز الأوربية.

وقد انتقد الكرملين في أكثر من مناسبة (العدوانية) الأمريكية، واصفا العقوبات الأمريكية بأنها وجه من وجوه (الحرب الهجينة). ونقلت وكالة (تاس) الروسية في وقت سابق عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف القول (هذا بالفعل من صور الحرب الهجينة، تستخدمه الولايات المتحدة).

وبحسب موقع (أونفيستا) الاقتصادي الذي كتب في ١٩ تشرين الثاني ٢٠٢٠: (بالنسبة لبوتين وروسيا، يعتبر نورد ستريم ٢ مشروعاً اقتصادياً بحتاً، ويأمل بوتين أن تحترم الإدارة الأمريكية الجديدة تحت رئاسة بايدن أيضاً مصالح الحلفاء مرة أخرى في المستقبل، وبالتالي أمل العودة إلى منافسة اقتصادية عادلة في العالم).

(نورد ستريم ٢) هو الخط الجديد ضمن أربعة خطوط روسية تمر من البحر الأسود وبحر البلطيق تعمل على تمكين التفوق الروسي في مجال تصدير الطاقة والسيطرة على السوق عن طريق إمداد أوربا بالغاز وقطع الطريق على الغاز المنافس من عدة دول، ويبلغ طول الأنبوب الجديد حوالي ١.٢٣٠ كيلومتراً ويمر في خط قريب إلى حد كبير بالتوازي مع أول خط أنابيب (نورد ستريم ١)، الذي ينقل بنجاح حوالي ٥٥ مليار متر مكعب من الغاز إلى ألمانيا منذ عام ٢٠١٢ وسيوفر الأنبوب الجديد الكمية نفسها، وهو ما يكفي لتزويد ٢٦ مليون أسرة بالغاز. وينظر عادة إلى الغاز الطبيعي على أنه رفيق بالبيئة والمناخ، المشروع يمر على مجالات تابعة لسيادة كل من روسيا وألمانيا وفنلندا والسويد والدنمارك. وكانت الدنمارك آخر دولة وافقت على المشروع.

العدد 950 - 3/03/2021